حكايات
الأرواح الحرة لا تموت والأحلام حين تجد أجنحتها تسافر بعيداً -- سماهر الخزندار

اجتيـــــاح


صحوت متأخرة.. لبست على عجل و خرجت من المنزل بعيون ذابلة و رأس ثقيلة و رائحة القهوة لا تبارح حواسي؛ لكن لا وقت للقهوة. فجأة تلاشى شغفي بالقهوة و أنا أتقدم نحو الشارع الرئيسي؛ ففي كل بيت أو حانوت مررت به كان هناك مذياع مفتوح على إذاعة محلية و تتناثر كلمات من هنا و هناك "توغلت الآليات الإسرائيلية" "الأباتشي" "سقط صاروخ" "وصل عدد الشهداء".. إنه اجتياح. نهارنا أبيض عفواً أقصد أحمر... لطالما أحببت اللون الأحمر و أنا طفلة.. لا أظن أن الأطفال اليوم يحبونه فقد أصبحوا يرونه كثيراً و في كل شيء؛ في الملابس و على أغصان الورد الجوري و على الأشلاء المتناثرة و الوجوه الهلعة أيضاً.

في السيارة التي ركبتها كان هناك عجوز مسنة تجلس في الكرسي الأمامي. كان وجهها أشبه بخريطة شق نهران متماثلان فيها طريقهما على جانبي الأنف؛ بديا و كأنهما قد جفا منذ عصور.. و كانت عينها تترقبان شيئاً ما؛ تميل رأسها بين الحين و الحين فيطالعني وجهها من المرآة الجانبية.. لو أنني فقط أملك موهبة الرسم لرسمت ألف لوحة لهذا الوجه. وصلنا أخيراً إلى مشارف مستشفى الشفاء العظيم حيث أعمل، لكن هذا يوم اجتياح و ما أدارك كيف يكون مستشفى الشفاء في يوم الاجتياح. توقف السائق بجانب مسجد الشفاء و قال أنه لا يستطيع التقدم أكثر بسبب الزحام. نزلنا أنا و العجوز التي لم تتناسب أبداً حركة جسدها الحيوية مع وجهها المسن.

تقدمنا. برغم أني رأيت هذا كثيراً إلا أنني لا أستطيع أن أعتاد عليه، الكثير من المناظر التي لا يربطها منطقياً إلا كونها تحدث في يوم اجتاح أمام بوابة مستشفى الشفاء؛ أناس يضحكون و أناس يبكون السيارات تتدافع بسرعة كبيرة بين أفواج كبيرة من الناس، و صوت صفير الأطفال المتناثرين يتراكضون من ساحة الاستقبال للبوابة و بالعكس، و رجال ملطخين بالدماء يحملون أطفالاً أو صبياناً أو حتى رجالاً آخرين ينزفون و عيونهم ناعسة و وجوهم صفراء.

من بين هؤلاء خرج رجلٌ تغطي صدره دماء كثيرة يكبِّر و يهلل و يصرخ "بعوض الله.. يقول بعوض الله.. مات الحيلة ... ماااااات" اندفعت العجوز من ورائي تحتضن الرجل و تصرخ: "استشهد يامَّا استشهد يا حبيبي... آاااه" أدارت وجهها نحوي و كان النهران يفيضان و كل الوديان في وجهها يغطيها طوفان يزداد كلما احتضنت ابنها أكثر... مشيت في طريقي نحو مكتبي و صوتها يتردد في رأسي: " خلف يا بعدي.. رااااح... محمد ابني و أحمد أخويا و محمد حفيدي كلهم لحقوقك.. شهداء، عند الله شهداء و في قلبي شوك و نااار... يا خلف لحقوك..."

وصلت الدائرة التي أعمل بها و دخلت عند المدير لأوقع؛ أعطاني الدفتر بفتور و هو يقول: "الساعة 8:30 تأخير نصف ساعة..." وقعت و تركته يتابع و خرجت.. هل ألقيت التحية؟ لا أذكر. توجهت لمكتبي حيث كانت زميلاتي الأربعة حانقات على المدير الذي سجل عليهن دقائق التأخير، و شهدنني عليه و لم ينتظرن شهادتي بل واصلن حديثهن يثرثرن و لا تسمع إحداهن للأخرى و كلٌ منهن تغمز لي أن الأخرى ثرثارة. و في أذني أنا لم أكن أسمع سوى نحيب العجوز و ابنها؛ لكن قليلاً قليلاً بدأ نحيبها يتضاءل و سيطر عليّ إحساس شديد بالحاجة لفنجان القهوة.


يا ورد زرار

متغطي بدمه

فارس مغوار

الجنة همه

ما يرضى الذل

و أرضه أمه

لدمه تشتاق

ما يحرمها دمه

...
                                                                                                               سماهر الخزندار

‏ا01‏ تشرين الثاني‏، 2006

(4) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 01 نوفمبر, 2006 12:24 م , من قبل حامل المسك
من سوريا

بدايه قويه وجميله
بنتظار المزيد
وزيارتكم
كوني بخير


اضيف في 02 نوفمبر, 2006 04:38 م , من قبل nermeen87
من فلسطين

as H'm apalestinian I didn't find any difficulty to have an image of what you have written but really it is very expressed and nice


اضيف في 02 نوفمبر, 2006 07:47 م , من قبل ماجد
من فلسطين

مدير عجيب الذي يصل الي العمل قبل الموظفين!
من اين اتيتي به


اضيف في 08 نوفمبر, 2006 08:48 ص , من قبل لينا
من فلسطين

بداية رائعة يا سماهر أرجو لك المزيد من التوفيق
كلماتك تصل القلب ومشاعر تلك الأمهات تقطعها
نرجو من الله ان يضع الصبر والسلوان في قلوب تلك الأمهات
رحم الله شهدائنا




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية