بدأ ذلك اليوم مشرقاً و دافئاً، و كانت هناك الكثير من العصافير و القليل من الناس في الشارع الضيق. حطت حمامتان بيضاوان و تهامستا بالقرب من قصي الذي كان يتحفز وراء بعض الحجارة. زحف بخفة و فجأة قفز على الحمامتين.. رفرفت الأجنحة البيضاء بذعر لكن يد قصي أمسكت برجل إحداهما. أحكم قصي قبضته على جناحي الحمامة و ركض نحو دانية التي كانت ما تزال ناعسة تحدق في بعض العصافير المتقافزة على أرض الشارع. حين اقترب قصي من دانية و أيقن أنها لم تنتبه لصيده الثمين، رفع الحمامة للأعلى و ما أن أصبح بالقرب الكافي حتى أمسك بساقيها و أطلق جناحيها فراحت ترفرف بيأس أمام وجه دانية التي قفزت و صرخت بأعلى صوتها. ضحك قصى و راح يتقافز من صائحاً:" خوفتك و خوفتك".. و فجأة نقرت الحمامة يد قصي فصرخ و ألقاها من يده مذعوراً و وقع على الأرض و هو ينفخ على يده؛ فضحكت دانية و قالت: " جزاتك". مدت دانية يدها لقصي لتساعده على النهوض. حين نهض سألته لماذا أنت أطول مني بكثير مع أنني أصغر منك بسنة واحدة فقط؟" فرد عليها: "هل أفطرت اليوم؟" ردت "لا .. لماذا" لم يجب بل سألها "و ماذا تعشيت أمس؟" أجابت بملل: "لم أتعشى" فقال ببساطة: "كيف تريدين أن تكبري و تطولي و أنت بالكاد تأكلين.. ما قالت لك المعلمة في المدرسة أن من يريد أن يكبر يجب أن يأكل؟" جلست دانية على عتبة المنزل و تثاءبت بضجر ثم قالت: " المعلمات يقلن أشياء كثيرة و لا يتبعنها .. تقول المعلمة يجب أن تحافظن على نظافة كراساتكن و حين تنظر إلى كراسة تحضيرها تجد بقع الزيت على الغلاف.. تقول المعلمة يجب أن تدرسن و تحضرن دروسكن و حين نسألها ترجع للكتاب كي تجيب .. تقول المعلمة يجب أن تأكلن الأغذية المفيدة.. و في الفسحة تجد المعلمات يأكلن الفلافل و المخللات.. تقول المعلمة.." قاطعها قصي صائحاً: "يكفي.. يكفي أنا آسف أنني سألت هذا السؤال.. لقد انتهينا من المدرسة و المعلمات و الأساتذة نحن الآن في إجازة".. ضحكت دانية و قالت: "أجل لقد انتهيت أخيراً من الصف الخامس .. قل لي هل هو صعب؟" تأهب في وضعية الانقضاض و هو ينظر إلى حيث البيارات و قال: "المهم أنني نجحت و حصلت على شهادة التقدير التي يريدها أبي.. هل تسابقيني للبيارة؟" و قبل أن يتم سؤاله كان قد انطلق كالبرق يعدو بكل قوته نحو الأشجار... *** حين وصلت دانية للبيارة كانت هادئة و صامتة لم يكن هناك أثر لقصي. ابتسمت و راحت تفتش عن آثار أقدامه و حين و جدتها مشت بموازاتها و راحت تنظر للأعلى خوفاً من أن يفاجئها من حيث لا تتوقع. مشت كثيراً و هي تدير رأسها بين الأشجار حتى بدأت الأشجار تقل و تراءت لها مساحة مفتوحة واسعة. خيم سكون غريب على المكان حتى الطيور التي اعتادت أن تعزف موسيقى الصباح في البيارة بدت و كأنها كلها هاجرت فجأة. و من السكون تصاعد صوت آلية رتيب. نظرت لمصدره حيث المساحة المفتوحة على أطراف البيارة. تطاير أمام عينيها غبار كثيف فاختبأت وراء شجرة و فجأة برزت من بين الغبار دبابة ضخمة كادت أن تصرخ هلعة لكن قصي خرج من مخبئه و أحاط أخته التي غطت عينيها بهلع و همس مرتعداً "لا تصرخي إنهم يهود.. سيقتلونا إن لمحونا". استرق قصي النظر للآلية التي استدارت للناحية الأخرى فأشار لأخته أن تتبعه نزل على بطنه و راح يزحف نحو جدار قريب ليختفيا عن أنظار الدبابة. تبعته و حين وصلا الجدار قام قصي و حين أرادت أن تفعل المثل سمعت صوت إطلاق نار مرعب و أحست بقصي يسقط عليها و شعرت بآلام شديدة بيدها و رجلها و انتظرت أن يقوم قصي لنجدتها و لكنه لم يفعل و رغماً عنها بدأت تدخل في ظلام دامس و آخر ما أحست به كان سائلاً دافئاً ينسدل على عنقها... *** فتحت دانية عينيها فرأت سماءً زرقاء جميلة و طيور بيضاء ترفرف فوقها. لم تكن هناك شمس لكن المكان كان مضيئاً و كان عشب نديّ يداعب وجهها. فكرت أين تكون لم تكن تلك هي بيارة جدها حيث تذكر أنها كانت آخر مرة. نادت بصوت رقيق أخاها قصي لكنه لم يرد. نهضت و ابتسمت حين رأت ذلك المكان الجميل الذي كانت تنام فيه. لم تكن حديقة فلم يكن هناك أشجار بل عشب أخضر نضر و أزهار برية رقيقة ناعمة تتلألأ كنجومٍ مبعثرة هنا و هناك. و هذا المكان بالتأكيد ليس مرعى فليس هناك أغنام و لا أبقار لم يكن في المكان كله إلَّا بحيرة صغيرة يلعب عندها مجموعة من الأولاد و البنات و حين دققت النظر رأت أخاها قصي بينهم. ركضت نحوهم فرحة. كانوا يعدُّون للعبة ما فقد كانت بينهم بنت سمراء في حوالي العاشرة من العمر تنظم لبدء اللعبة. اقتربت دانية من المجموعة فنظرت لها البنت السمراء و سألتها " من أنت؟" أجابت دانية و هي تشير لأخيها "أنا أخت قصي.. اسمي دانية" لم يبد قصي اهتماماً للموضوع فعادت السمراء تسأل: - هل ستلعبين معنا - و ماذا تلعبون؟ - لعبة سهلة الشهيد و الاستشهادي. - كيف - لا أحب الأسئلة تفرجي و فكري إن أحببت أن تلعبي فسوف تلعبين دور يهودية لأن العدد غير كافي.. و أنت يا محمد الدرة خلصني أي دور راح تاخد. - و الله يا هدى غالية أنا أخذت دور الشهيد من قبل و الآن دوري أخد دور الاستشهادي. قفزت فتاة جميلة ذات شعر ذهبي طويل تصرخ: - على الأقل كنت شهيد أنا رأيي أنه دور السيدات ليأخذوا دورهم في اللعبة. - اسمعي يا سيادة السفيرة عزيزة أنا ما أترك دوري لامرأة. - أنا عزيزة ؟!! أوه لا طبعاً لا أنا مرح. - أوه لا مش ممكن.. طب أنا عندي حل ما رأيك أخذ أنا دور الاستشهادي و أنت تكوني سيدة حوري. - حورك و لَّا حولك .. و إذا أنت محمد الدرة تتصور أن مرح ترضى فيك؟! أوه لا لا. - لأ و لا أنا كمان برضى أنا أصلاً ما آخذ إلا إيمان حجو لأنها أحلى منك و أصغر منك و أصلاً سبقتك معايا و راح أتزوجها و أعيش معها في الجنة في تبات ونبات و تجيبلي لي صبيان و بنات. - الله يخليكوا لبعض. أنا أصلاً لما أروح على الجنة زوجي هو إللي راح يحمل و يجيب الصبيان و البنات. - أصلاً ما ينفع. - علومك قديمة. - بالله، كيف؟ - الآن صح في آية بتقول "لهم فيها ما يشتهون" عن الجنة يعني؟ - صحيح؟ - أنا راح أشتهي أن زوجي هو الذي يحمل و يلد. ضحك باقي الأولاد و راحوا يتقافزون حول هدى و كلٌ منهم يطلب أن يكون الاستشهادي. صرخت هدى "و لا واحد منكم كلكم راح تلعبوا دور الشهداء ما عدا الولد الجديد قصي". لم يبد قصي أي تأثر بالدور العظيم الذي أرادت هدى أن تسنده له و لم يهتم الباقون لهذا و لكنهم التفتوا إلى هدى التي راحت تناقش هذه المرة بداية اللعبة ماذا سيقول الاستشهادي في الكلمة الأخيرة قبل أن يذهب ليعمل العملية؟؟ صمت الجميع حتى قال أحدهم فجأة " يغني بكتب اسمك يا بلادي" أجابه محمد الدرة "و الله فكرة كيف خطرت في بالك يا ابن الخباز" و راح يغني بصوت جهوري "بكتب اسمك يا بلادي على الشمس إللي ما بتغيب لا مالي و لا ولادي على حبك ما في حبيب.. لا و لا لا و لا لا ااا" و راح الأولاد يغنون معه و يرددون وراءه. صرخت هدى غاليه "لا لا تغيرت" صمت الجميع و تساءل محمد الدرة " من غيَّرها ؟" أجابت هدى غالية " أنا .. اسمع .. بكتب اسمك يا بلادي على الشمس إللي ما بتغيب لا أبويا و لا اخواتي على حبك ما في حبيب" صفق جميع الأولاد و البنات و راحوا يرددون وراءها ما عدا مرح التي صرخت فيهم: " لا لا لاااا" فاستدار الجميع لها و هي تصرخ واضعة يديها على خصرها: " أنا ما بقدر أقول أبويا إذا و لا بد بقول بابا" صرخ ابن الخباز قائلاً " أموت أنا في الخبز اللبناني" صرخت هدى: " كفى كفى أصلاً يا أخت مرح أنت لا تصلحي. هل هناك استشهادية اسمها مرح؟" التفتت مرح بهدوء و هي تقول: " أنا. أصلاً لماذا تظني أن أبي الشهيد البطل أسماني مرح .. لأمرح في دم اليهود" صرخ الأولاد: " الله أكبر ". كانت دانية تنظر للجميع دون أن تعلق فاستدارت هدى لها متسائلة: - ماذا ترين يا أخت قصي؟ من يصلح أن يكون الاستشهادي؟ أخوك أو مرح أو محمد أو ابن الخباز أو من؟ أنا محتارة. - ماذا سيفعل الاستشهادي؟ - لا تعرفين ماذا سيفعل الاستشهادي؟! لا تعرف !! يا بنتي الاستشهادي سيفجر نفسه و يقتل اليهود. - لماذا؟ - لأنه إن لم يقتلهم سيأتي يومٌ و يقتلوه. - لكن ألن يموت؟ - بالطبع!! - و ما الفرق؟ - الفرق .. إذا فجرهم يكون استشهادي و إذا قتلوه سيكون شهيداً. - و هل هذا سيء. - ليس سيئاً لكنه ظلم. هل تعرفين معنى أن تكوني شهيدة؟ - ماذا يعني؟ - ردوا عليها. شعرت بأن ظلاً خفيفاً قد أظلهم و بأن رعشة صغيرة تزلزل قلبها و كل منهم يتقدم و يقول ما عنده: - ابن الخباز: أن تكوني عند باب مخبز أبيك و تأتي قوة من اليهود في سيارة جيب و تهجم عليك تصدمك و ترجع و تصدمك و ترجع و تعود لتهجم. - مرح: أن يترك الرجل بيته و فيه امرأة جميلة أقول لها ماما و أخ صغيرُ ينام في سريره يضحك مرة و يبكي مرة و أمك تغني له كل مرة. و مرة يبكي أخوك الصغير و تبكي أمك و لا تجدين أحداً ليغني لهما، و حين تسألين أمك تقول لك: " أبوك شهيد" و بعد سنة لم تشتري فيها لا كراسة و لا ثوب و لم تري فيها الأكل الذي ترينه في بيت خالك، يأتي رجل و يأخذ أمك و يتركك تغنين لأخيك الصغير حيث لا يرحم خالك. - محمد الدرة: لا ليس هكذا.. إنه أن تكون في أحضان أبيك و يكون هناك رصاص و قنابل و ناس كثير و لكنهم يهربون. و وراء برميل قديم على حائط متهالك تبدأ السماء تمطر رصاصاً و لا تعرف ما يحدث حتى يبدأ الدم بالسيلان حولك و تسمع صوت أبيك يصرخ "مات الولد مات الولد" ثم يسكت كل شيء. - هدى غالية: في بلادنا ليس هناك صغار على فهم الموت و حتى تجرعه قطرةً قطرة.. كلنا لسنا صغاراً .. كبرنا باكراً و فهمنا باكراً و حتى رأينا باكراً .. أيدى و أرجل و وجوه محترقة، هل أنسى؟؟ الأخ الرضيع و الأخ الحابي و كل من أحب كثيراً و قليلاً متناثرون حولي و لا حراك.. صمت أقسى من الموت و صوت الموج يصارع ليصل بين أنات الصراخ المتدفق و لا يصل؛ فالصراخ لا يصمت و الدم لا يغسله الماء، لا في شريعة غاب و لا في شريعة سماء. انهمرت دموع دانية بينما أشارت هدى للأولاد، فتبعوها نحو البحيرة التي راح لونها يتحول كلما توغلوا فيها من الأزرق الرقيق اللامع للأحمر القاني المتوهج ، و قصي واقف على الشاطئ ينظر لأخته بابتسامة حانية. أدار وجهه نحو الأولاد و لم يتكلم فتداركته متسائلة بين دموعها: " إلى أين هل ستتركني وحيدة " استدار نحوها و قال بصوت خفيض: - ربما كانوا جميعاً يتقاتلون على دورك فكلنا هنا تحددت أدوارنا ليس بيننا سوى شهيد أو شاهد أم أنت فربما كان قدرك أفضل". - لكن ماذا أفعل وحدي؟ - كلي جيداً و إن لم تستطيعي أن تأخذي ثأرنا فأنجبي أطفالاً يقومون بالمهمة. - لكن يمكن أن يموتوا. - سيموتون على كل الأحوال. تقدم نحو البحيرة التي راحت تسود و تظلم حتى أطبق الظلام و لم يبق إلَّا الأغنية التي غنًّها محمد الدرة في البداية تتردد بصفاء ثم بدأت أصوات أخرى تتداخل و كلمة آه كانت أكثرها و أعلها. كانت عالية جداً مست قلوب أناسٍ يعيشون في بلادٍ قريبة و بلادٍ بعيدة. شاهدوها و سمعوها و بكوا عليها كثيراً لكنهم أداروا التلفاز إلى محطةٍ فضائيةٍ تذيع مسلسلاً عن حياة شاعر صريح جداً و نسوا دانية و نسوا الجثة الصغيرة الممدة في ثلاجة المستشفى. و بعد سنوات كانت هناك طفلة كبيرة تزوجت صغيرة بين يديها رضيعٌ تداعبه بين الحين و الآخر قائلة: " قصي .. قصي هل تسمع المدافع .. هؤلاء اليهود .. لا تخافهم .. فهم جبناء .. يخافون من الحزام الناسف الذي أرضعك إياه كل صباح .. و يتمنون أن ينسفوه داخلك و داخلي.. لكن يا عزيزي لا تخاف فقدرك أن تنسفه في أكبادهم". سماهر الخزندار أنا ابن الآه و حلم الناي أنا الحزن الزمن الجاي أنا غضب و نار و حلمي صار أكون كبير بين صغار و أزلزل عالم ظالم ما بيفهم ما بيسمع ما بيشوف يحكي؟؟؟؟؟؟؟ عمرنا ما بنشوف ...
السبت, 04 نوفمبر, 2006
أضف تعليقا
اضيف في 08 نوفمبر, 2006 08:42 ص , من قبل لينا
من فلسطين
من فلسطين

اللعبة سهلة لمن آمن بالله ورسوله وطريقه في الجهاد
وأما من فتنته الدنيا ونسى أن هناك آخرة فقد خسر الإثنتان
سماهر :لك ولقلمك وكلماتك مني كل التحية والإكبار
وفقك الله
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية













من مصر
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كل عام وانت بخير
والى الامام دائما مع الجديد المفيد
ولدوام التواصل
انتظر زيارتك لمدونتي المتواضعه
وابداء تعليقاتك واراءك على ما تحتويه من موضوعات
ارجو عدم غياب قلمك عن مدونتي
فلا تحرمونا من تلك الزياره
www.gharamoh.jeeran.com
دمت بخير
احمد بهاء
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته