حكايات
الأرواح الحرة لا تموت والأحلام حين تجد أجنحتها تسافر بعيداً -- سماهر الخزندار

المختار

انتشر الخبر في المدينة و تقاربت الرؤوس؛ كان الهدوء المترقب يسود جميع الشوارع و الحارات، و كانت الهمسات تخرج ما بين الحين و الآخر: "هل عرفوه؟" "من يكون" "حقاً حقاً جاء المختار أخيراً" لكن أحداً لم يكن متأكداً بعد. كان الجميع في حالة انتظار متحفز. في القصور أعلنت حالات الطوارئ القصوى؛ فكل عائلة عريقة، و كل عائلة متسلقة، كانت تنتظر أن يأتي الخبر بأن كبيرها هو المختار. لقد كان مجلس العائلات على خلاف دائم بشأن العائلة التي ستحظى بهذا الشرف العظيم و كل عضوٍ فيه كان يمر على صندوق الأمة، الذي يتوسط ردهة فخمة في بناء المجلس، و يمس السطح البلوري الشفاف حيث تظهر أسفله المخطوطة الأثرية التي بشَّر فيها الأجداد بقدوم المختار و أشراط ظهوره.

 

لقد ورد في هذه المخطوطة أن مدينة الإنسان الزاهرة ستمر في سنوات ازدهار لعشرات السنين. ثم سيأتي من يشيع الفتنة و الفساد. و حين يستشري الظلم و يعم الظلام سيأتي المختار و ينتصر للمظلوم و ينير الأرض بنور الشمس بعد أن يظن الناس أن لا نهاية للظلام. و في ذلك اليوم امتلأت الردهة بالرواد و كان الحاضرين هم أنفذ أهل المدينة و أكثرهم ثراءً. لم يكونوا يعرفوا لم اجتمعوا هناك؛ لكن كلاً منهم كان يظن أنه الأحق في أن يكون الرجل المنشود و أمِل كلٌ في داخله أن يرى نفسه السيد بلا منازع يخلع الملك و يجلس مكانه و يصبح الجميع عبيداً له.

 

تنحنح كبير التجار و سأل: "لماذا يظن الجميع أنه وقت المختار؟ ليس هناك ظلم و لا ظلام" خفت الضوء المتسلل من نوافذ الردهة، و رد النخاس قائلاً: "يا رجل و هل هناك ظلم أكبر من بيعك الزيت على أنه عسل؟" تحفز كبير التجار يريد أن ينقض على النخاس فأوقفه المرابي قائلاً: "لا، لا نحن أكبر من هذا يا كبير التجار، و أنت يا أفضل من يجلب الحسناوات و الرجال مفتولي العضلات، ألا تهدأ و تتروى قليلاً؟ احسبها يا عاقل هذا زبونك!"

 

هدأ الرجال و صمتوا لوهلة ثم قطع صوت كبير العسكر الصمت و هو يسأل المرابي: "ماذا فعلت بأمر الخباز؟ هل دفع لك؟" تمطى المرابي بنشوة: "يدفع؟ و كيف يدفع؟ و من أين يدفع؟؟ لقد باعني كل ما يملك و رهن لي مخبزه و لم يعد لديه سوى بيت و ثلاثة أبناء." فتحفز النخاس متسائلاً: " و أنت لا تترك حقك أليس كذلك؟" "و كيف أتركه؟ أعرف ما يدور بخلدك يا عزيزي؛ سأرغمه على أن يتنازل لي عن أبنائه الثلاثة بصك بيعٍ مقابل أن لا يسجنه كبير العسكر و يعذبه" قال المرابي بزهو.

 

صرخ كبير العسكر بعصبية: "اسمع عليك أن تزيد الأجر من الآن فصاعداً لقد كاد السقا يموت بين يدي أمس؛ يكفيني من ماتوا الشهر الماضي لقد بذلت جهداً كبيراً لأقنع الملك أنهم ماتوا من الجدري" مدَّ كبير الأطباء رأسه و هزه قليلاً ثم قال بتأنٍ: " و لم الجدري بالذات؟" ردَّ عليه كبير الحرس بتهكم: " و كيف كنت تريدني أن أفسِّر بقع الحروق على أجساهم يا خفيف؟" أدار الطبيب ظهره له و هو يقول بمكر: بالطبع كيف ستفسِّرها أنت لا تعلم، لكنك قد لا تحتاج لقول أي تفسير إذا فسَّر ذلك طبيب" لحقه كبير الحرس قائلاً بلهفة: "و هل تفعلها من أجلي؟" أجابه الطبيب دون أن يلتفت إليه: " إذا دفعت لي نصف ما يعطيك إياه المرابي".

 

زفر الإقطاعي بضجر و قال متأففاً: " كفى. ألا تكفوا عن هذا الهراء؟ لقد مللت" اقترب منه النخاس و قال هامساً: "و هل يمل من لديه أجمل جواري الدنياً؟" رد الأرستقراطي بنزق: "نعم مللت؛ أنت تعرف أنني أريد ابنة الاسكافي؛ أريد أن أذلها، لم تخلق من ترفضني مدعية الشرف". ابتسم النخاس و هو ينظر للمرابي من طرف عينه و يهمس: " إذا كان المقابل جميع جواري قصرك أستطيع تسوية الأمر مع صديق يعرف كيف يجعل الاسكافي يبيع عينيه مع ابنته". رفع الإقطاعي رأسه بأنفة و قال" أنت تعرف أنني لا أحب الأعمال القذرة، لكن لا يهمني كيف ستحصل عليها إن أحضرتها سأعطيك مقابلها نصف الجواري و ليس كلهم؛ أنا لست أبلهاً." فرك النخاس يديه و قال مبتهجاً: "حاشاك يا عزيزي حاشاك.. طلباتك أوامر سأعمل على أن أحققها سريعاً".

 

أعتمت القاعة على من فيها فبدا صندوق الأجداد العاجي الأبيض مضيئاً متلألئاً. تحلق الرجال حول الصندوق و كلٌ منهم ينتظر معجزة تسيِّده على الآخرين، و بينما هم يحدقون بالصندوق، دخل خادم المجلس و تقدم نحو النوافذ و راح يفتحها الواحد تلو الآخر؛ فعاد الضوء يدخل إلى القاعة المستديرة. و حين فتحت كل النوافذ تسلط الضوء على الصندوق، و بينما كان الخادم يخرج، تجمعت حزمة من الضوء و انعكست على مرآة في السقف لتقع عليه. جحظت عيون السادة و سمع الخادم صوت سيوفٍ تُستل، أدار وجهه فوجد الرجال يتحلقون حول الصندوق و سيوفهم مشهورة نحوه؛ لكن أحداً منهم لم يكن قادراً على أن يحرك ساكناً فقد كانوا جميعاً قد تحولوا إلى أحجارٍ منحوتة.

 

و في الأيام التي تلت، نُصبت المآتم في القصور و أقيمت الولائم بالأسواق. لكن أحداً لم يكن يعرف ما الذي حدث هناك في ردهة الأجداد. كيف تحوَّل أسيادهم إلى حجارة و من كان المختار الذي على يديه أنار العدل المدينة؟ حين كان الحكماء من كبار السن يسألون الخادم عما حدث، كان يرد: "لقد كانوا يشهرون سيوفهم نحو الصندوق. ربما لحقتهم لعنة الأجداد. أنا لن أذهب هناك ثانيةً، سأخدم المجلس من الخارج."

 

و بالفعل لم يدخل الخادم الردهة ثانية؛ لكنه كلما كان يمر بالقرب منها، كان يبتعه من الداخل شعاع نورٍ يشق أحد التماثيل المنتصبة فتستعر العيون الجاحظة لكن أحداً لم يعطي لها بالاً. و كان الملك من نافذة قصره يقول حين يرى هذا يحدث: " خادم مسكين؛ دائماً يعمل في الشمس.. لو أنني فقط أعرف من هو المختار.. إلى متى سأظل خائف من عمل أي شيء خوفاً من أن تحل علي لعنة الأجداد؛ لم أضف لخزانتي أي قطعةٍ ذهبية منذ زمنٍ بعيد… مسكينٌ الخادم؛ دائماً يعمل في الشمس.."

 سماهر الخزندار

22 نوفمبر 2006

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 16 يناير, 2007 03:47 م , من قبل الغامض
من فلسطين

فعلا موضوع رائع ومشكورة على هذا المجهود واتمنا للك التوفيق..........


ملاحظة زكرتينى بافلام الكرتون اسنة الافين ومائة وتنكة




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية