حكايات
"الذي لا يحلم لا يشقى" - برنارد شو

عن دلال ولها

حين رأيتها لأول مرة كانت تقف تحت شجرة الكينية بجانب الباب الرئيسي لمبنى الكليات النظرية بجامعة الأزهر (المعروف بمبنى الكتيبة). كان من الممكن أن أمر بها وأواصل طريقي غاضبة كما كنت أغادر الجامعة في الأيام الأولى لي في كلية الآداب قسم اللغة الانجليزية.. لكن لفت انتباهي شيء عجيب كانت هي تتكلم باللغة العربية إلى سيدة في الخمسينات من عمرها ترد عليها باللغة الانجليزية. التفت وأمعنت في النظر إلى وجهها الطفولي الممتلئ وإلى عينيها شبه المغمضتين وحركة أحد أصابعها على يدها الأخرى وكأنها تنقر .. واكتشفت فجأة أنها .. كفيفة.

عرفت فيما بعد أن اسمها دلال، وأن هذه السيدة التي ترافقها هي دكتور جين الاسترالية، التي تكفلت بالاهتمام بها منذ كانت طفلة فلسطينية يتيمة؛ قيل أنها وُجدت بين أنقاض قصف بيروت، وقيل أيضاً أنها إحدى الناجين من مذبحة صبرا وشتيلا. كان الجميع يشعر نحو دلال بالشفقة و كنت أنا أشعر نحوهم بالشفقة لذلك. عن نفسي كنت أشعر بالخزي والتضاؤل أمام عزيمتها وإيمانها بنفسها. لطالما كُنت مستهترة بما يخص دراستي؛ كنت أتوقف عن حضور مساقات كاملة إذا انزعجت من المدرس، أو إذا أحسست أنه تافه، أو إذا كان سليط اللسان. لكن هذا تسبب لي بكارثة في السنة الأولى من الدراسة الجامعية.
 
فكرت جدياً في ترك قسم اللغة الإنجليزية. لكنني كلما نظرت إلى دلال كان إحساسي بالتضاؤل يزداد ويتضاعف. بدأت علاقتي بدلال ومجموعة مميزة من الزميلات** تزداد قوة وكلما كنت أقترب منها كنت أزداد إعجاباً بها. وفي السنة الثانية من الدراسة، قررت أن أحاول استدراك ما فاتني. في الحقيقة كان لدلال فضل كبير في هذا، وهي لا تعلم، ولم أكن أيامها أصرح لأحد بما أشعره تجاهها ربما فقط لفدوان (إحدى الصديقات المميزات)..

وبما أنني أكتب عن دلال، يجب أن أعترف أنها كانت أكثر شجاعة من الكثيرات من المبصرات في التعامل مع الصدمات، فبرغم أنها واجهت الكثير من الضغوط في بداية دراستها، بدءً برفض القسم لها بسبب إعاقتها وليس انتهاء بالمشاكل التي كانت تواجهها أيام الامتحانات بسبب هذه الإعاقة، وبرغم استهزاء بعض المحاضرين العلني بقدراتها (مفكرة حالك طه حسين) لم أراها تبكي سوى مرة واحدة. كانت ثريا تقف غاضبة بجانبها تحاول تهدئتها بلا فائدة. كان وجه دلال يتلألأ بالدموع، تنساب هكذا بصمت وبكل بساطة دون صوت، لكن صدى بكائها كان مدوياً في داخلي. كانت إحدى نوبات الفذلكة وفرد العضلات التي تصادف مواسم الامتحانات. وكانت هذه المرة تشكيك في مقدرة دلال والتضييق عليها خوفاً من مساعدة الأخريات لها بدافع الشفقة!!

كانت هكذا مواقف تحرق الكثير من أعصاب دلال وقدرتها على الصمود، لكنها صمدت وتخرجت. حسب علمي هي الوحيدة في الشلة، وربما في الدفعة، التي حصلت على منحة لمتابعة دراستها الجامعية في بريطانيا. حصلت دلال على الماجستير برغم أنوف كل من حاولوا التثبيط من عزيمتها، ووضع العراقيل في طريقها، ظناً منهم أنهم يوفرون عليها تعب المحاولة. أثبتت لهم أنها كانت وما تزال جديرةً بالأمل الذي شق عتمة حياتها وأنارها. ربما أيقنوا الآن أنهم هم الذين كانوا غارقون في الظلام..

هذه الأيام عانيت كثيراً من ضعفي أمام اليأس الذي حاصرني. وجدت ذكرى دلال تداهمني فجأة وسمعت ذلك الصوت العذب يردد "الأمل لولاه عليا" فتراجع نشاز اليأس الذي كان يحاصر روحي. هل ذكرت أن دلال متذوقة للموسيقى، ولها صوت عذب مريح للنفس؟؟ كانت تغني لفيروز وأم كلثوم لكن صوتها كان يناسب فيروز أكثر. لم أتفاجأ حين عرفت أنها تجيد عزف آلة الفلوت (آلة موسيقية معدنية تشبه الناي) أحضرته ذات مرة إلى الجامعة وعزفت في الكافيتيريا المقابلة لمبنى الكليات بحضور بعض الأساتذة .. كان لحن أعطني الناي وغني.

عزيزتي دلال ..

أتذكرك كثيراً هذه الأيام .. تمرين كرذاذ المطر الناعم على هذه الحياة العجفاء المتعطشة .. أشعر بفخر كبير لأنني حصلت على فرصة القرب منك، ولو أنني كنت دائماً أخشى أن أقترب أكثر مما ينبغي .. حين يضيق صدري كثيراً كثيراً، أتذكر ابتسامة ثريا الساخرة، وشقاوة كاميليا وعيني ملك الحانيتين وأسمع صوت فدوان تردد بيتها المفضل:

ضاقت ولما استحكمت حلقاتها فُرجت           وكنت أظن كل الظن أنها لا تفرج

ثم تطلين أنت بوجهك المرح تربتين على كتفي، وتلتقطي تلك العصا الفضية اللامعة، تقربيها من فمك، ويبدأ ذلك اللحن الرقيق بالانسياب إلى روحي .. فأهدأ وأنام كطفلة صغيرة..

سماهر الخزندار
23/12/2007

** لكل صديقة من الشلة حكاية مع النجاح المقتلع من عين اليأس.. كن جميعاً رائعات .. وربما كان علي أن أكتب عن كل واحدة منهن وحدها.. وربما كتبت أيضاً عن أستاذ حسن، ذلك المميز الذي أعاد لي الثقة بنفسي من أول محاضرة في السنة الثانية من الدراسة..



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية