اسمي هو أم عايد وأكاد لا أذكر ما كان قبل أن أنجب عايد. ربما كان فاطمة أو عائشة أو خضرة أو بحرية أيٌ من تلك الأسماء التي قد تناسب جدتي. في هذه الأيام أصبحت أنسى الكثير مما مر بجسدي المتهالك وذاكرتي المتداعية. هنا على هذه الحديدة التي تقلني بين السماء والبحر، فجأة، لم تعد قدماي قادرتين على حملي. لكنني لا أشعر بالسوء من بلائي في هذه الدنيا. هنا يبدو أن رحلتي قاربت على أن تصل إلى نهايتها قبل أن تأذن أمريكا بعودتي إلى مهجري. ربما أراد الله لي أن أعود عودة نهائية إلى المجدل حيث تنتمي روحي. والمجدل مدينة جميلة تطل على البحر، كنت أسكنها عندما كنت طفلة. كنا نتباهى على البلدات المحيطة بمدنيتنا ورقينا. وفي أيام سوداء أطبقت عليها أيدٍ سوداء، وقذفت بنا للمجهول، فجأة أصبحنا وسكان البلدات المحيطة بنا والمدن الأكثر رقياً من مدينتنا، أصبحنا جميعاً في انكسارنا سواء. في المجدل كان لنا بستان، وكانت أم محمد العمشة تعرف جيداً متى ستلد لنا أمي أخاً ومتى ستضاف إلينا أختاً. لكنها لم تعش لترى إخوتنا الصبيان يسقطون واحداً بعد الآخر، إما من جوع طريق الهجرة، أو من رصاص الأيدي السوداء، أو دهساً تحت جرافة كانت تهدم بيتاً بُني مكان خيمة إيواء. أم محمد العمشة بقيت هناك في المجدل، وسقطت هناك في المجدل تماماً كما أرادت. لم يعرف أحد إن كانت قد دُفنت، أم أن الأرض قد احتضنتها والتقمتها بنفسها، دون تدخل البشر بيض القلوب أو سودها أو حتى ذوي القلوب الملونة. وبقيت صرخاتها الحكيمة في الأيام السوداء تقال مثلاً في الأيام الأكثر سواداً "يا ريتهم كساموا*" وهنا على هذه الحديدة التي تحملني بين السماء والبحر، أنظر إلى عيون حانية دامعة تحيطني من كل اتجاه وتذكرني جميعاً بعيون أم محمد العمشة. أتذكر الأيام القليلة التي قضيتها في رحاب مكة واللحظات الخاطفة التي مررت خلالها بمدينة الرسول. أذكر أني دعوت الله ألا يعيدني إلا لمجدلي حيث أيام عمري القليلة الهنية. وعلى هذه الحديدة التي تحملني بين السماء والأرض، رأيت نفسي أكبر مع الألم في مخيم الشاطئ بغزة، ورأيت أولادي وبناتي يكبرون على القليل من الطعام والقليل من الملابس والقليل من الحياة في كل شيء، والكثير الكثير من الأمل فيما يبدو مستحيلاً. على هذه الحديدة تذكرت دماء أكبر أبنائي تخضب ثوبي ووجهي، ودعوت لزوجي، الذي مات قهراً عليه، بالرحمة والمغفرة؛ ودعوت لابني الصغير بالسلامة من الأيدي السوادء، التي تترصده في رباطه على الحدود؛ ودعوت الله أن يحفظ ابني الأوسط ويخرجه من أسر الطغاة؛ ودعوت الله أن يمنَّ على بناتي بأولاد مجاهدين كما اشتهين. حاولت أن أوفي كل الدعوات التي طُلبت مني حتى أعود بلا خطية في رقبتي. وها أنا الآن يا الله خالصة أرقد بين يدي رحمتك، أشهدك بأني عبدتك مخلصة لك لم أشرك في عبادتك شيئاً طوال حياتي، وشهدت لرسولك بالرسالة وأداء الأمانة، فهل رضيت؟ أشهدك بأني حفظت عهد وطني ولم أخن، وربيت على العهد بنيَ وبناتي فهل رضيت؟ أشهدك أني ضممت أول أولادي شهيداً في سبيلك، وودعته راضيةً عليه وعليك، فهل رضيت؟ أشهدك أني ترملت في شبابي وربيت من دمائي بناتي وأولادي ورضيت بما قسمت لي من الدنيا، فهل رضيت؟ أشهدك أني رأيت فلذة كبدي يُجر من جرحه إلى الأسر، بعد أن سقط وهو يقاوم أعداءك، فرضيت بما قسمت أنت له، فهل رضيت؟ أشهدك أني كنت أودع أصغر أبنائي للجهاد في سبيلك، راضية، في كل ليلة كنت أودعه وداعاً أخيراً وأبات ليلتي أحلم به عائداً مضرجاً بدمائه، فهل رضيت؟ واليوم هنا بعد أن أذنت لي بزيارة بيتك ومسجد رسولك، محاصرة بالبحر من كل اتجاه أفترش الحديد وعيناي ترنو إلى السماء بلا أمل في عودة قريبة إلى حيث هُجِّرت، وبلا أمل في عودة بعيدة إلى حيث أنتمي، هنا والآن أقول لك أني راضية بما قسمت لي، فهل رضيت؟ فإن رضيت يا الله، أود أن أدخل جنة تشبه المجدل وإن كان التشبيه ظالماً. وإن رضيت يا الله أود أن تلبسني ثوباً يشبه الجلجولي** وأن تنعم علي بحديقة لها طلة تشبه بحر المجدل، وأود يا الله أن تعود ضفائري لتطول وتطول، فأمدها لهؤلاء الحائرين، من حجاج بيتك، المحاصرين بموت الضمائر وهوان أولي الأمر. هؤلاء الراضين بحكمك وقدرك، فربما كان لهم في رحابك مكان.. أو ما يرضيك يا رب.. أو ما يرضيك يا رب.. سماهر الخزندار 30/12/2007 *قسموا: أي قبلوا بتقسيم فلسطين ** الجلجولي: ثوب من التراث الفلسطيني المجدلي مطرز بالخيوط الحمراء والخضراء. لمن يهمه الأمر مصر تنقل حجاج غزة إلى العريش قرب الحدود مع القطاع يا خيمة السواد حاملك على كتافي في البر وفي البحر وفي القعاد وفي السفر وفي أيام الرضى وفي أيام الفقر يا الخيمة.. وين ما روحت بحملوني إياكي مش عارفين إنك صرتي تولدي معي.. ومعي باخدك على القبر..

الاحد, 30 ديسمبر, 2007
حجاج غزة انتقلوا من العقبة لنويبع ثم إلى العريش
توقيع: لاجئ/ة
تحــديـث: 02/01/2008
شكراً جزيلاً للصديقات سعاد وأروى واشتياق لتعليقاتهن الغالية على هذا المقال ..
لقد قمت بإزالة التكرار (شكراً أروى واشتياق) للتنبيه وأعتذر عن هذا الخطأ الغير مقصود إلبته :)
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












