فيالصباح قالوا حضر الشهيد؛ شيعه أهل المدينة وأطلقوا الرصاص وصرخوا حتى احتقنتالحناجر. كانت أمه تزغرد وتبكي ، وتبكي وتزغرد وكل النساء حولها يزغردن ويبكين، فُتح العزاء. هناك كان يصب القهوة وكلما مر بعزيز قال: "اليوم أصبُّها وغداً تصبُّوها في عزائي." قابله عمه عند باب الصوان فقال له: "عافك الجاكيت." فردعليه "الجسد للقبر والجاكيت لأمي" "بس بلاش يطق لك عرق" قال له عمه بنزق. دخل عمه الصوان وخرج هو إلى البيت؛ فتح الباب ونادى أمه وهو يخلع المعطف؛ أعطاها إياه وطلب منها ألا تغسله حتى تظل رائحته فيه وتتذكره حين يستشهد. زاغت عيني الأم وهي تضحك قائلة "يقطع شرك ما أعطل مزحك." وقفت أخته على باب الغرفة تنظر إليه بعيونٍ ذابلة؛ اقترب منها وقبَّل جبينها، رأت في عينيه لمعان يتلألأ رفعت يدها إلى وجهه فأزاحها عنه وخرج وأمه تضحك وتطمئن نفسها "كلام.. كلام ما أشطر الشباب بالكلام". استدارت أخته إلى الغرفة وجلست بالقرب من النافذة تتابع غياب أخوها في آخر الحارة بعد أن سلَّم على كل من قابلهم من أصحاب طفولته. هي تعرف أن أخأها قليل الكلام وتذكر أنه كان متعلقاً بالشهيد ولم تنسى دموعه وهي تشق طريقها على قسمات وجهه الذي يكاد يتفجر منه الدم لكنه لم يتكلم. في الأيام الأخيرة كان يخرج من آذان الفجر ولا يعود إلا في وقت متأخر. كان يأتي متعباً مرهقاً وتحضر له هي العشاء و تجلس معه حتى يأكل وكانت أمه تصحو عليهما أحياناً فتقف بالباب وتقول: "دليليه أكثر ما هو لو كنت تتركيه ينام جوعان كان تعلم يجي من العزاء بدري." لكن التعب الذي كانت تراه في وجه أخيها لم يكن تعب العزاء والعضلات التي بدأت تتكون في ذراعيه لم تكن بالتأكيد بسبب حمله للقهوة والتمر في العزاء. كانت ترى في أخيها الذي كان صغيراً رجل كبر قبل الأوان. مر وقت طويل وهي تنتظر بالقرب من النافذة؛ لا ترد على نداءات أمها التي كانت تأتي إليها بين الحين والآخر وتهزها؛ وحين حضر أبوها دخل الغرفة وكلمها طويلاً لكنها لم ترد عليه، فارتجفت قسمات وجهه وعلاه الوجوم. كانت متسمرة عند النافذة وعيناها لا تتحركان عن تلك النقطة التي غاب فيها أخوها. عند العشاء كانت الحارة تتدثر بمياه المطر وكان الظلام يخيم على المدينة كلها، لكن البرق كان يضيء الطريق من وقت لآخر ومن وراء الزجاج جلست تترقب. أغلقت أمها باب الغرفة وجلست في الصالة تحيك قميصاً لابنها وهي تحكي لأبيه عن مزاحه الثقيل وتردد من حينٍ لآخر بين ضحكاتها المرتبكة "يستشهد قال يستشهد" والأب يسمع وينظر إلي باب غرفة ابنته. وحين فُتح الباب وتسمرت بالقرب منه، حدَّق فيها وهو يسمع طرقاً على باب المنزل، قال لها: "افتحي الباب.. جاء أخوك.." نظرت إليه تلك النظرة الصامتة؛ فقام هو وفتح الباب. لم يكن أخوها؛ اثنان من أصدقائه المقربين يقفون بعيون متورمة ويسألون عن أمه. قامت الأم وسألتهم عن ابنها فقالوا: "وصيته لك أن تزغردي مبروك شهادة ابنك". تصلبت عيناها عليهما للحظات ثم هوت على وجهها. في المستشفى قالوا جلطة، وفي الحارة قالوا صدمة؛ لكنها بعد يومين كانت في العزاء تلبس معطف ابنها وتزغرد وتبكي وتبكي وتزغرد؛ و كل النساء يزغردن ويبكين وكل منهن تذهب بين الحين والحين لترى إن كان ابنها لا يزال هناك في الجوار، ثم يعدن إليها ويزغردن. سمـاهرالخزنـدار مايو2002 يا يُومَّا الخوف نَساني وأنا والخطر صرنا اخواني لا تبكي عليَّا أنا مفارق رايح للموت أسابق ترضين أعيش ذليل وطريق العزة قدامي؟؟!
تمت كتابة هذه القصة في مايو 2002، وسبحان الله ما زالت تصلح ل 2008 ُنشرت على حكايات يوم السبت 11 نوفمبر 2006.. أُعيدُ نشهرها اليوم إهداءً إلى أمهات شهداء المقاومة، وأعتذر عن الاحتقان الذي أصاب قلبي وقلمي فلم أعد قادرة على كتابة جديد يليق.. تعليقات سابقة: (2) تعليقات اضيف في 12 نوفمبر, 2006 08:01 ص , من قبل لينا أفضل تعليق أن لا تعليق اضيف في 16 يناير, 2007 04:19 م , من قبل الغامض من فلسطين لا زال الدم يسيل على الارض ولونها بلون الاحمر بدماء الشهداء ولازالت تطلب منا المزيد ففداد فلسطين يا فلسطن كل الدماء
من فلسطين
أو دموع متحجرة قد سالت وجروح قد أدميت
تحياتي لك ولقلمك
أضف تعليقا
من السويد

الاخت الغالية سماهر
اقدر مشاعرك ومشاعر كل فلسطينى فى ذلك الوقت قصتك كما تقولين كتبت فى سنه2002
وعلى حد قولك انها تنفع لعام 2008
وانا اقولها لكى بكل صراحه واقحه وارجوا المعذرة لااستخدام هذا اللفظ
اذا استمر العهر الفلسطينى الفلسطينى بهذه الدرجه سوف لا تكفى اوراق العالم اليك لكتابه الاف القصص وسوف نصبح مادة رخيصه فى صحف ومقابلات رخيصه
لاننا بصراحه ضربنا رقما قياسيا فى الغباء السياسى والنضالى
فقدنا القدره على التميز والاب
اع فى استخدام الطرق التى تناسب مع قدرتنا وصعف عروبتنا
نحن شعب خلق لكى يعيش متل باقيه الشعوب صحيح اللى بدة وطن ما بينام ولازم يضحى بس كمان لازم يعرف كيف ومتى يضحى
مع تحياتى ارجوا المعذره ويمكنك حذف التعليق لو مش عاجبك
مع تحياتى لابد من اليوم ان نصرخ جمعيا
ولا نجعل مين ماكان ان ينطق بالسنا سواء كان من فتح او من حماس
كنا الشعب العربى الوحيد الذى يمتلك الديمقراطيه ويقول لاعور انت اعور فى عينه الان صرنا جبناء نخاف ان نحكى الحقيقه امام كاميرات التلفاز
الكل يمدح فى فصيله ونسى الجميع ان الاغلبية من الشعب الفلسطينى قد كره الاثنين معا
مع تحياتى للمره الثانيه
يوسف
"و كل النساء يزغردن ويبكين وكل منهن تذهب بين الحين والحين لترى إن كان ابنها لا يزال هناك في الجوار، ثم يعدن إليها ويزغردن."
يا سماهر معلش سامحيني انا وصلت عند هاي العبارة وحششت ضحك لأنها طبيعية جدا ..جدا جدا ولفتة رهيبة منك وغنية بكل المشاعر الي عالسليقة بدون لف ولا دوران ..عن جد مش أمهات احنا ..مش بدنا ولادنا يعيشواويكبروا ويخلصوا دراسة ويتزوجوه ..
يمكن بكونوا قاعدين بالعزا وبزغردوا صحيح لكن الوحده بتدقر بنتها وبتقولها روحي يمّه تفقدي اخوك ..ما بدها يا يموت .. مين قال انه احنا بنحب الموت ورامين حالنا عليه ..
طول القصة وانا بقرأ وانا بدني مقشعر حتى العبارة الأخيرة وهيك هي الحياة .. وعشان هيك اطلعي شوي من صمتك دبحتينا ..
من فلسطين

أختي الحبيبة سماهر ..
هذا درب من أراد أن يحيا بكرامة وعزة وندر نفسه وروحه لله وإعلاء كلمته جل وعلا ولإعلاء شأن الوطن من بعده ..
هو يحمل روحه ويمضي ليس أمامه إلا أحد الحسنيين إما نصر وإما استشهاد ..
سمعنا كثيرا حكايا عن بطولات وإصرار وتحدي لأبطال هم الآن إما لدي العزيز المنتقم الجبار وإما في سجون الاحتلال ليقضوا كذا مؤبد بعد مؤبد ..
هؤلاء هم فخر لله يباهي بهم ملائكته وهم يطوفون حول العرش .. هم فخر الوطن المتعطش لقلوب مؤمنة صادقة لا تهادن ولا تساوم ولا تبيع ..
لن يكتب التاريخ بطولة لمن رضي بأضحوكة السلام المخزية .. لن تكتب البطولة إلا لمن انتهجها وسطرها بدمائه الزكية وقوته على التصدي والصمود والتحدي ..
لا أدري لمن يتبع هؤلاء المهادنون .. لأي شيء عدا الاسلام وشرائعه القويمة ..
نحن هنا نقتل ببطء في ظل شماتة وصمت لا أدري بأي صحيفة غداً سيقابلون وجه الله الكريم يوم الموقف العظيم ..
لن نسامحهم وستبقى أرواحنا تلعن صمتهم الى يوم الدين ..
تحياتي لك ولصوتك الحر الجريء ..ولك كل مودتي واحترامي وتقديري ..
من فلسطين

هاي من اتحاد المدونين المصريين ..
تحية لكل ضمير حر ..
////////////////////////////////////
ادعوك لزيارة اصدقاؤك من المدونيين للمساهمة معنا فى حملة رفع الحصار عن غزة
بوضع هذا التعليق فى المدونات ومطالبتهم بالمشاركة معنا
--------------------------------------------
اخى الفاضل
ادعوك للمشاركة فى حملة رفع الحصار عن غزة بوضع الادراج المنشور بمدونة اتحاد
المدونيين المصريين فى مدونتك لمدة اسبوع بدءا من يوم السبت 19/1/2008
وحتى الجمعو 25/1/2008 ولا حديث الا عن غزة
لا تترد فى التواصل معنا
http://egyptadwin.maktoobblog.com
-------------------
شكرا لك وفى انتظار تفاعلك معنا
نتمنى التواصل مع باقى المدونيين
لابد من الانتهاء اليوم من اكبر عدد من المدونات
من فلسطين

الجارة الطيبة ام العبد:
شوارع المخيم تغص بالصور
شهيدنا تكلم وانطق الحجر
وما زالت امهاتنا تذرف الدموع في الاعراس ....وتزغرد للشهداء.....
انها حالة خاصة بالام الفلسطينية
كل التحية لامهات الشهداء.....
جارك مستر حوار
تحية زنبقية يا رفيقة الحرف والنزف/ سماهر...
سواء كتبت هذه القصة في 2000 أو 2006 أو 2007... أو أي تاريخ سابق أو لاحق، فإنها ستعيش، وستصمد، وستبقى.
أدب المقاومة لا تقيده أغلال التاريخ، طالما أن التاريخ يعيد نفسه.. مرارا وتكرارا.
من هنا يمكننا القول إن أدب غسان كنفاني يعيش حاضرا فينا، عروسه، بندقيته، كل تفاصيله الصغيرة.. تحضر بقوة.
القصة التي كتبتها ذكرتني بقصة أخرى مشابهة في مغزاها للمترجمة الفلسطينية/ ضحى الوزني..
في فلسطين..
ننتهي جميعا..
شهداء أو شعراء.
سلمك الله وبارك نبض حرفك.
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية

















من فلسطين
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الصديقة سماهر
كل عما ونحن شهداًء
كلنا نموت
وتحية الشهداء
وكل يوم يولنا من شهيد
وكل يوم لدينا عيد
فيبقي الدم دم
والماء ماء والارض ترويء
بدما الشهداء
تحياتي
ودمتي بخير!