حكايات
الأرواح الحرة لا تموت والأحلام حين تجد أجنحتها تسافر بعيداً -- سماهر الخزندار

هذيان امرأة تعيش في غزة (3)

صباح الخير يا لعبتي. اليوم سأكتب عن "أيبك" و"أقطاي" وربما مررت برواية "جورج أُرويل" مزرعة الحيوان! اليوم يا لعبتي أريد كثيراً الحديث عن "شجرة الدر" وزوجها المريض عن دموعها الساخنة أو الباردة – سيان – وعن دماء مئات الآلاف من الناس العاديين الذين يُذبحون يومياً داخل القفص إرضاءً لشهوتها في أن تكون على العرش! وللتنويه علامات التعجب التي ترينني أضعها هنا وهناك ليست ترقيماً هادفاً؛ إنها للتزيين فقط، فقد فقدت معناها منذ زمن طويل وبرزت علامات السؤال ك"سوبر ستار" بلا منازع وأصبحت أيضاً مملة مثله بلا منازع!! لا أعرف من قال لي أن بإمكاني استخدام علامة التعجب للدلالة على البكاء؛ خط طويل لدمعة شقت طريقها على الوجنة وقبل أن تكمل سقوطها التقطتها كاميرا متخصصة.. أعرف أن الكاميرات لا تكون متخصصة لكني أميل إلى تشخيص الأشياء، ألم تعتادي علي بعد ؟!

 

وبعيداً عن أو ربما قريباً من شخصنة الأشياء والمواقف أرى "أيبك" و"أقطاي" يتربصان بخيمة الملك انتظاراً لموته، وكلٌ يَعِد نفسه العرش والزوجة الفاتنة، والاثنان مناضلان كبيران؛ مجاهدان لا شك عند أحدهما أنه حين يموت فسوف تلحق به كل ألقاب تكريم الشهداء، ولو مات كافراً، فقط لأنهما مناضلان! و"أيبك" الذي حقق مؤخراً انتصاراً مؤزراً ضد "الصليبيين" يعرف أنه يفوق "أقطاي" الفظ الغليظ وسامةً، وأن "شجرة الدر" تميل له أكثر لذا فهو يبذل جهداً أقل في الانتظار..

 

وكان من حرر مزرعة "أرويل" خنزيران لا أذكر اسم أي منهما وكانا أيضاً مناضلين .. قام أحدهما برسم مستقبل جميل للمزرعة، فبال الآخر على حلمه، وطرده. وبعدها تمت التضحية ببعض "الدجاجات" وقيل أنهن جاسوسات، بالكاد أذكر تفاصيل هذه المذبحة لكني، أتألم كثيراً حين أذكر كيف انتهى الحال بأن تقوم الأيدي التي حررت "المزرعة" بتقديم "الحصان" الذي بنى مجدها وبذل كل قوته عملاً لمستقبل جميل، قامت بتقديمه أو ربما الكلمة الأدق باعته بكل بساطة للمذبح ليُقتل هناك بما لا يليق ب"شهيد" حقيقي !!

 

ظريفة هي علامات التعجب ربما لا تكون مملة جداً .. وسأستخدمها هنا بشكل مؤلم ظريف، والألم على كثرته أصبح يأخذ من الصفات ما لا تتحمله معانيه عادةً، لكن في غزة ليس هناك بديهيات أو قواعد ثابتة للأشياء لطالما كانت خواص الأشياء ومكونات المعاني مختلفة. بالألم الظريف أذكر أن الحكيم الذي كان يرى الحقيقة منذ البداية، ومن كان يعرف النهاية قبل أن تبدأ الحكاية، من استطاع أن يقرأ الكلمات التي صدمت الجميع فيما عداه كان هو .... "الحمار" !!! أليس هذا ألماً ظريفاً ؟؟! جميلة علامات التعجب !!! هل كان التعجب يعلو ملامح باقي "الحيوانات" حين رأت "الخنازير" تلبس لبس أعدائها البشر، وتشاركهم نفس الطاولة وتشاطرهم نفس الكأس التي تذهب بالعقول، وتلعب معهم نفس الورق الذي يذهب بالقلوب !! أم كان هناك الكثير من الألم والحسرة وشعور جارف بالرغبة بالعويل وتقطيع الوجوه من البكاء مشاعر اختلطت وتشابكت فعلقت غصة في حلوقهم تخرس أفواههم وأرواحهم ؟!!

 

معك حق يا لعبتي، أنا لا أقول أن القصة واحدة، لكن ألا ترين أن هناك عامل مشترك يجمع القصتين إنه "شجرة الدر".. لا ترين "شجرة" الدر في قصة "أُرويل" ؟!! غريب ! ربما معك حق لمرة ثانية ف"شجرة الدر" هناك ليس امرأة وليست دجاجة وليست حتى شخصية .. إنها مسخ يسبح بين كلمات القصة وينهش روح اللاعبين الأساسيين.. لا شكل لها ليكون فاتناً؛ ولم تكن فتنتها في أصل الحكاية الأولى في جسدها.. لطالما كرهت شجرة الدر وكل ما يقف خلفها ويختبئ داخلها من مسوخ المعاني .. أتعرفي يا لعبتي؟ منذ أصبحت حلماً يراود "أيبك" و"أقطاي" وأنا أحلم بأنني أشارك في ضرب رأسها بالقباقيب ...

 

وبمناسبة القباقيب والحذاء بالقبقاب يذكر، بالأمس جلست أمام التلفاز أكثر من المعتاد، أتنقل بين المحطات بحثاً عن تلك اللقطة التي يقوم خلالها أحد الصحافيين بقذف "بوش" بفردتي حذائه، مع العلم بأن "بوش" هذا، وهو رئيس منتهي الصلاحية للولايات الأمريكية المتحدة، هو شخص وليس رجل، وهناك فرق، كلما نطق يجتاحك شعور جارف برغبة عارمة في أن تُصرميه؛ ويُصرمي، بضم الياء، هو فعل مضارع يعني يضرب بالصرمة، والصرمة هي كلمة عامية تستخدم للتعبير عن الحذاء. المهم أنني في كل إعادة للقطة أرى فردة الحذاء الأولى تنطلق فأقول صابت! ولكنه ينحني، فأقول الأخرى ستصيب، لكنه ينحني مرة أخرى، فأبحث عن قناة تبث المشهد من جديد، على أمل أن تصيب في الإعادة القادمة !!! كم هي جميلة علامات التعجب !

 

المهم يا صديقتي مات الملك في تلك الخيمة، وبينما كنا مشغولتين بثرثرتنا عن العوامل المشتركة، ترصدت "شجرة الدر" تنظر من شق في الخيمة إلى الفارسين المنتظرين ببابها، وفي غفلة من الزمان والمكان وإحداثيات الألم، أغوت كل منهما على حِداً، وفرح كلٌ بما نال من فتنتها، سقط كلاهما وإن كان التاريخ قد أخفى ذلك حتى الآن. قُتل "أقطاي" ؟! هذه علامة تعجب حقيقية تفيد عدم التأكد يا لعبتي، فأنا أعرف أنهما سقطا، لكني لا أدري إن كان أحدهما قد قتل الآخر، أو ربما كانت "شجرة الدر" قد قتلت الأكثر سقوطاً على أساس أنها تفضل الحلقة الأقوى والأكثر استمرارية.

 

وحين قمت لأصنع كوب الشاي هذا في المطبخ، وتركتك وحيدة، أجريت اجتماعاً مصغراً مع نفسي التي قلما أجتمع بها هذه الأيام، لكي نتباحث في بعض التساؤلات المصيرية التي لا أجد لها إجابة: أيهما كان "أيبك وأيهما كان "أقطاي"؟ وهل كان "أيبك" حقاً فارساً ووسيماً متسلقاً، وكان "أقطاي" حقاً فارساً وفظاً أرعنا، ومن كان منهما حبيب "أم علي"؟ وبما أن هذه الأسئلة مجتمعة كانت تشكل أحجية مربكة، اختلفت أنا ونفسي واحتد النقاش بيني وبينها حتى تخاصمنا وقررت أن أستقل بذاتي عنها على أساس إنه ما في حدا أحسن من حدا !!

 

ماذا؟ "أم علي"؟ آه أنت لا تعرفين من تكون "أم علي" أليس كذلك؟ أم علي هذه هي التي رأيتها في حلمي الأخير وقد وضعت بحر غزة في قدر، وأوقدت تحته النار، ولمت أبناء غزة حوله؛ تكشف غطاء القدر بين الحين والآخر وتقول لهم: "ستأكلون قريباً؛ ستنضج الحجارة قريباً، صنعت لكم حساءً لذيذاً سيسد رمقكم، أخيراً ستتذوقون طعم كرامة العرب، أخيراً ستعرفون طعم النُصرة، أخيراً ستتمتعون بلذة الشبع حتى التخمة من العدالة والإنصاف والحق في تقرير المصير.." وبينما كان الناس ينظرون لأم علي بترقب وأمل، ناموا على الجوع، وتركتهم "أم علي" لا تعرف أيهم كان نائماً وأيهم اختنق بجوعه.

 

المهم، تركتهم وتوجهت إلى قصر "شجرة الدر" تحمل خنجراً أو ربما سيفاً، ومع فارق الدلالة لا يهم الآن ما كانت تحملً، وكنت أود أن أرى النهاية لولا أن الحلم ليس كالفيلم، إذ ينقطع بثه عندما نكون في أشد درجات التوق لنعرف نهايته.. فتحت عيوني وبدأت يومي الاعتيادي بلا كرامة عرب، ونصرة أخوة، ولا عدالة ولا إنصاف وطز في الحق في تقرير المصير !! عدنا إلى علامات التعجب أرأيت كم هي جميلة خلف جملة فيها كلمة طز ..

 

وطز بالمناسبة كلمة تركية تعني ملح و .. لا، لا أريد الآن أن أدخل في قصة جديدة. هل تعرفي منذ أن استيقظت من هذا الحلم وأنا أحاول أن أنام لأكمله لكن كلما أغمضت عيني كنت أرى "أم علي" تدخل غرفة شجرة الدر فتجد "بوش" يتمايل بمياعة، ومع غيظ "أم علي" من شجرة الدر إلا أنها كانت تنظر له بقرف وتقول له: "يا أهبل مش لابقلك" فيرقص هو بمنتهى البلاهة وهو يردد قائلاً: "هيك بدها أميركا .. هيك بدها أمريكا" فتخلع "أم علي" حذائها وتلاحقه في الغرفة وهو يهرب منها راقصاً، وكنت بالطبع أستيقظ من نومي أضحك منزعجة لأن الحلم لم يكتمل كما ينبغي !!

 

المهم نعود إلى أيبك وأقطاي أيهما كان أيبك وأيهما كان أقطاي؟ في الحقيقة يا لعبتي ليس السؤال مهماً الآن؛ فحسب علمي يُلبس التاريخ زيداً رداء عمرو، ويُلبس عمرواً العمة، أو العكس، وأنا لا أدري أيهما زيد؛ أقصد لا أدري أيهما "أيبك". لكن إن كان التاريخ أيضاً يعيد نفسه فأنا في انتظار "قطز" الذي لا تنجح معه إغواءات "شجرة الدر"، و"بيبرس" الذي - حتى وإن ضعفت نفسه وقتل البطل- سيكمل طريقه .. لا تهمني التفاصيل الآن، ولا يهمني إن كان "قطز" سيخرج من تحت جناح "أيبك"، أو من تحت جناح "أقطاي"، فكلهم في النهاية "مماليك"، سيكون هو بينهم ولا يهمني اسمه أو شكله أو نسبه ما دام سيحميني من "التتار".. "قطز" سيأتي حتماً أظلنا عصره و"بيبرس" سيكمل بعده ويحرر ما تبقى من "الصليبيين".

 

 

سماهر الخزندار

15 ديسمبر 2008

 
لم أكن أخطط للعودة اليوم لكن أحياناً نخرج عن صمتنا في أغرب الأوقات ..
لا أعرف إن كان ما يزال هناك من يطرق باب حكايات .. ولكن إن كان هناك من يهمه الأمر فيبدو أنني عدت ولكن بلا ضمانات :)
 
سلامات جيران :)

(4) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 17 ديسمبر, 2008 01:02 ص , من قبل ahmedarar1980
من فلسطين

عودا حميدا سماهر
ضمانات ؟ أسأليه هو ...


اضيف في 25 ديسمبر, 2008 01:27 ص , من قبل emadelsape
من مصر

الصديقة سماهر .. تحيات خالصة .. أنها لعبتى أنا أيضآ ! .. ولعل ذلك ما يفسر سبب حماسى لكتابة هذا التعليق - وعلى الرغم من أننى أستشعر ذنب كتابته !! .. فمحاولة نقد( أنسان محاصر داخل مدينة محاصرة ) يبدو لى عملآ غير أخلاقى !! .. ولكننى أسير على خطاك – فضلآ عن أننى أطمع فى أن أحصل منك على أمتياز خاص بأن أكون ( أول معلق سيكلوجى ) فى محيط جيران !!.. وهنا يجب ألآ نلتفت كثيرآ الى علامات التعجب التى أضعها والتى فقدت معناها منذ زمن !! .. فمن ( بين السطور ) مازالت تتردد القضية المثيرة للجدل والتى قمت برصدها على مدار عدة شهور - وقمت بتلخيصها فى المقولة التالية : إن ( الفن ) يجب أن يطرح نفسه دائمآ على أنه النشاط الميتافيزيقى ( الحق ) لحكايات سماهر !!..<< الاستياء .. التحرر من الاستياء .. تحرير النفس من الاستياء.. تلك هى الخطوة الأولى نحو الشفاء أيتها الصديقة ! >>..فكما يقول المعلم بوذا " لا من خلال العداوة تنتهى العداوة , من خلال الصداقة تنتهى العداوة " .. بالمناسبة " أين ديثرامب العودة المنتظرة – أين الشجن التراجيدى الذى يعبر عن الحنين لجمال العالم وخيريته - أين الأرواح الحرة والأفكار التى تأتى على جناحى يمامة ؟! "..لقد تذكرت بمجرد مطالعة أفتتاحية تلك التدوينة حكمة قديمة للفيلسوف "اسبنوزا " يقول فيها : " أذا حلت المصائب .. فلا تفرح .. ولاتحزن .. ولكن تأمل ".. ولذلك أنا أدعوك الى قليل من" حياة التأمل " .. من الاستسلام لأسهل الحلول وأبسطها .. ولذلك سأعلق على عجل – ونظرآ لانشغالى فى أتمام بعض المهام الاكاديمية والصحفية –على بعض مشاهد " الكوميديا السوداء " وربما مررت بمؤلف " الهائم وظله " للمعلم فردريك نيتشه ! .. ( يتبع )


اضيف في 01 ابريل, 2009 02:48 م , من قبل Forex
من مصر

الصديقة سماهر .. تحيات خالصة .. أنها لعبتى أنا أيضآ ! .


اضيف في 01 ابريل, 2009 02:48 م , من قبل Forex
من مصر

الصديقة سماهر .. تحيات خالصة .. أنها لعبتى أنا أيضآ ! .




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية