سمعت دوي انفجار شديد وأحسست بحريق ينشب في خاصرتي. كانت أذني ما تزال نصف مغلقة، حين سمعت الجارات يصرخن على ابني أن يبتعد، وبعد أن خرجت جزعة بلحظة واحدة، دفعني انفجار آخر للحائط المقابل. وكان آخر ما رأيت، ذلك الغراب الذي ألقى علينا الحمم يعلن انتصاره في كبد السماء. من عتمة شديدة خرجت أبحث عن ابني؛ كان "محمد البرعي" يجوب الشارع بدراجة الرضع، التي اشتراها له والده حين علم بحمل زوجته، وكان سعيداً جداً يطلق الضحكات؛ وأنا كنت غاضبة جداً من أمه، التي تركته ينزل للشارع في أوضاع صعبة كهذه، لكن ضحكاته جعلتني أنسى غضبي وقلت سأحمله وأعيده لها. اقتربت منه فابتهج ثم علا الحزن محياه فجأة وصرخ صرخة واحدة، فأدرت وجهي للخلف لأرى ما أغضبه، وحين عدت أنظر إليه كان مسجىً على ذراعي والده والدم يغطي وجهه الذي أضاء في فضاء مظلم تماماً.. فبكيت بكيت كثيراً. أفقت من بكائي على "سلوى وسماح عسلية"، وهما تربتان على كتفي وتأخذان بيدي لتوصلاني إلى شارع مضيء، ثم تعودان أدراجهما إلى حيث الظلام. لوحتا لي، فناديتهما، لكنهما أدارتا وجههما واحتضنتا بعضهما، ثم غرقتا في بحر دماء وجرى بهما نهر وصب بعيداً في بحر من العتمة. تذكرت فجأة ابني، وعدت أبحث عنه. كان هناك الكثير من سيارات الإسعاف؛ كنت أود لو يقول لي أحدهم أن ابني محمول بأحدها، وأنه بخير وأنه لم يغرق هو الآخر في ذلك النهر، ولم يغب بعد في العتمة. سمعت صوت بكاء فجريت بكل قوتي نحو الصوت. كان هناك عدد من الأطفال والنساء يبكون، وكان الناس يتكلمون عن القصف والشهداء. وبجانب أحد الجدران المهدمة جلست طفلة يغطي وجهها الغبار، تعبث بلعبة محطمة. اقتربت منها فوجدت عنقها ينزف، وكانت تهدهد اللعبة التي غسلها الدم. حاولت أن أنادي مَن حولها لينقذوها، لكن الصراخ كان يغطي الوجود بأكمله، لم يعد أحد يسمعني أو يسمعها، وقليلاً قليلاً بدأ غناؤها يتحول إلى أنين خافت، ذبلت وذوت حتى أصبحت لعبتها أكثر حياةً منها .. صرخت وصرخت بكل ما أوتيت من قوة، لكن أحداً لم يسمعنى وأحداً لم يمنعني .. حين تعبت من الصراخ عدت لأبحث عن ابني .. كان هناك زحاماً كبيراً في أحد المساجد .. كانت جنازة شهداء .. وحشود الناس تركت الشهداء والتفت حول رجلٍ قال باكياً "أنا أب وأعرف معنى فقد الولد .. لكن الله أغلى وفلسطين أغلى والجنة أغلى". بكى الناس لكن كانت هناك امرأة بجانب شهيد آخر، تمس وجهه وتتمتم حول نعشه. اقتربت منها أسألها عما تفعل، فقالت: "هذا الأول من أولادي الخمسة .. هو راح وأدعو الله أن الأربعة يلحقوه.. لرضاه وفدا فلسطين ... " خرجت مصدومة، مسكونة بالهواجس، أبحث عن ابني؛ ليس لي من يلحقه إذا "راح". كان الناس في حالة تشبه حالتي؛ كل النساء تبحث عن أبنائهن، وكل الرجال في حالة شرود ينظرون بحنق للسماء، ويقصفون الطائرات بآلامهم. كان هناك الكثير من سيارات الإسعاف تنطلق باتجاه مستشفى الشفاء، وكان الناس كلما اقتربوا منه يزدادون غرابة. بصعوبة وصلت إلى قسم الطوارئ. على أحد الأسرة كان هناك طفل، عيناه معصوبتان بالضمادات، يأذن للصلاة. وقفت أمام الموظف أسأله إن كان ابني قد وصل هناك، فسألني عن اسمه. صمتُّ قليلاً، أسمع الآذان، محدقةً بالرجل الذي ينتظر مني جواباً، ثم أجبته بتلعثم: "محمد .. يمكن محمد البرعي؟؟ لا لا .. هو حمادة لا لا لا عبد ربه .. ابني محمد .. أي محمد " ثم لم أعد قادرة على الوقوف وسقطت. عاد ذلك الظلام يلف عقلي في اللا معنى؛ لم أعد أرى لكني بين حقيقة وخيال، سمعتهم يتحدثون عن شظية في البطن، وارتفاع في درجة الحرارة، وجنين على وشك الهلاك .. ثم أطبق ظلام كامل؛ لا صوت لا صورة ولا حياة. من بعيد أتى الصوت كأنه من بئر: "اضربه على ظهره عده انخنق .." ثم صوت صراخ مولود "حقهم يسموه وليد .. بأعجوبة لحقناه هو وإمه.." لكنه لم يكن وليد، فقد كان أصدق من أن أسميه بأكذب الأسماء، كان حقيقة ساطعة في بحر من الكذب والزيف، كان يجب أن أسميه بما يليق به وبكل من يولد على هذه الأرض. لذا فقد كُتب في شهادة الميلاد... "شهيد". لماذا أنتظر إلى حين ينال اللقب؟ سيناله حتماً؛ وهو في مهده رضيع، أو وهو يلعب في حارته صبي، أو هو يحمل سلاحه مقاوم، أو وهو في فراشه عجوز.. لماذا أنتظر ما هو حتمي .. إنه كأخيه الذي "راح" وإخوته الذين سيلحقون .......... شهيد.. وفي مهده هدهدته، حين بكى، بأغنية تليق به لم تعد أغنيات الجدات تليق: يا رايح على الجنَّة تهنَّا والدم إلي عترابك حنَّة أصحابك باسمك تتغني زغرودة لروحك في الجنة نام الشهيد ... سماهر الخزندار 2 مارس 2008 أراهن أنكم أبداً لن تتخيلوا ما يفكر به هؤلاء "الأطفال" ولا تتصوروا كم تبدو لهم مضحكة النداءات، التي كان يتشدق بها مسئولون فلسطينيون، بأننا يجب أن ألا "نورط" "الأطفال" في تناقضات الحالة السياسية المحيطة .. كم تبدو مضحكة نداءاتهم بوجوب تحييد حياة الطفولة وعزلها عن الواقع السياسي المرير .. أصحاب هذه النداءات هم بالتأكيد معزولون عن فلسطين لا يعرفون أي وحش ينهش لحم أبنائهم تحية لإنسانيتهم ورقتهم المفرطة .. لكننا هنا لسنا في السويد أو النرويج أو ألمانيا الغربية .. ابتسموا يا سادة أنتم في غزة - فلسطين :)

أضف تعليقا
تحية لإنسانيتهم ورقتهم المفرطة .. لكننا هنا لسنا في السويد أو النرويج أو ألمانيا الغربية .. ابتسموا يا سادة أنتم في غزة - فلسطين
اربطو الاحزمة جيدا
فقد وصلتم ارض الشهداء
ارض الجبابرة الذين لايهابون الموت
اربطو الاحزمة جيدا فقد وصلتم الى....... غزة
من مصر

هل هذا فعلا ما تعيشون فيه
ما اقسانا
وما اغبانا
الافضل ان تتبرأوا منا
من فلسطين

حبيبتي الغالية سماهر ..
مبروك النصر والانسحاب وحمدلله على سلامتكم وربنا يرحم شهداءنا وجرحانا ويجزينا على صبرنا وثباتنا بكل خير يارب ..
العدو بيقول أنه هذا إعادة انتشار للجيش .. والله لو طلعوا للمريخ يقصفونا من هناك برضه مهزومين .. وأكيد مدحورين من العالم كله ولهم يوم فيه زوالهم وزوال كيانهم القذر بإذن الله ..
أطفالنا يا سماهر هم رجال المستقبل وهم مجاهديه ورجال المقاومة .. يحملون في صدورهم وصية الشهداء بكل أطيافهم وأعمارهم ..
المعركة أكيد لم تنته ولكن دوماً سيبقى النصر لله ولرسوله والمؤمنين ..
لم ننتظر نصرة من عرب ولا من غرب ولم نرفع أكف الضراعة إلا لله عزوجل ..
كم صلينا وسجدنا ودعونا في سجودنا أن يا اللهم انصر الاسلام والمسلمين وانصر عبادك الصالحين اللهم انصر المجاهدين في كل مكان وثبت أقدامهم واجعل كلمة الذين آمنوا هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى ..
والله دعينا كثير وسجدنا لله وحده رجوناه بأنه قد تخلى عنا كل العالم ولم يبق لنا إلا هو ونحن عباده المستعضفين فلم يخذلنا الله .. والله يا سماهر إنه من يتذلل لله يرفعه الله ويعزه وينصره لشو نتذلل للحكام العرب والا لغيرهم .. عارض يا خدهم كلهم .. ييجوا يشوفوا بيت حانون وجباليا كيف خلاها العدو وكيف زرع الموت والخراب والدمار في كل مكان .. والله عار على العرب عار ليوم الدين .. شو بدنا نقول غير حسبنا الله ونعم الوكيل والدنيا دوارة والأيام دول .. مفيش بلد عربي واحد تضرر وتعرض لحرب إلا والفلسطينيين كانوا في الصفوف الأولى من جيوشهم .. وبابا الله يرحمه كان يحكي لي لأنه شارك في كل هذه الحروب وراح بلاد عربية كثيرة من أجل تحريرها ومناصرتها .. الله يرحمه ..
الحمدلله .. والله أنه يستحق الحمد والتكبير ليوم الدين .. فكل ما يصيبنا على تلك الأرض هو خير من عند الله سبحانه وتعالى ..
تحياتي لك يا غالية .. وانتبهي لسة القسام على الطريق .. والله لن تهدأ مقاومتنا ولن تتوقف صواريخنا حتى نصل للقدس الشريف بإذن الله ..
من مصر

اسف لسلبيتي
لكني سئمت الهتاف
سئمت تعاطي الكلام
كلماتي من القلب لكم
أرجو أن تتقبلوا يا أبناء امي الحبيبه
عار عليكم يا عربـ/ تضامن من أجل غزه أرجو الزياره
http://moniah.jeeran.com/archive/2008/3/489436.html
أكاليل ورد لروح شهدائنا رحم الله وألهم ذويهم الصبر
من مصر

لم أستطع أن أكمل مقالكِ ..
قوي .. صعب .. بشدة ..
آلمني جدا ..
ما أقسى كلمات المقال ..
توشك أن تجبرني على الانتحار هرباً من العار الذي كُتب عليّ بتهاوننا ..
لتمنيت أن أغتسل بهذا النهر ..
أن أنال شرف الشهادة في سبيل الله ..
و في سبيل أن يظل النهر يجري في سبيله ..
و لكن يحزنني في نفس الوقت أن أراه يجري ..
ما أقسى الكلمات هنا ؟!
شكرا
دمتم أهل الشهادة ..
من لبنان

بسم الله الرحمن الرحيم
غزه طريق الأنبياء
قومي غزه وأنفضي عنك
عتمة الليل ...
وغسلي الدماء وأنثري عبقه
على الجداول ...
وأزرعي مرابعك بالأشلاء
لتكون قنادل ....
فهذا نجعيك يشدوالجراح
يحطم تلك القنابل ...
وأطفالك للشمس هم
مشاعل ..
قومي غزه 0000
فمثلك لايعرف الذل
بنيتي للعز معاقل
وقتلتي
أبطال الظل ..
قومي غزه
فبيادرك حان حصدها
فقد أينعت سنابل إباء
تغني به طيور المواسم
ترجم أعداء الضياء
تقتل أشباه الأولياء
فمن الدماء ...
كتبت غزه نهج
الأنبياء ..
من مصر

سماهر حاولت كثيرا أن أهرب من قراءة هذا المقال منذ أن نشرتيه ولكن نفسي الطواقة للألم الذي أصبح حالتي العامة أجبرتني على القراءة وكم شعرت أنكم تسطرون البطولة وتتوجون أنفسكم بأكاليل من الشرف وكم نحن قسرا ورغما عنا نتوج بأكاليل من العار والخزي
أنتم أصحاب الملحمة الحقيقية وليعرف العالم العربي كله أن مل يحدث لأهل غزة مرسوم ومخطط أن يحدث لنا جميعا فالوقت لم يحن بعد من قبل السادة الفاشيين والصهيوأمريكيين فكلنا في القائمة ومن لايدرك ذلك فليعاود قراءة تاريخ الحملات الصليبية وهجمات التتار
لك تحياتي سماهر وتحية مصحوبة بانحناءة رأس لكل مقاوم شريف في هذا الواقع المهترأ
من المملكة العربية السعودية

لله درك وانشاء الله
نرى عزكم وعزهم
وعز الامه الاسلاميه
يرجع كما كان وافضل
دمت بخير عزيزي
من مصر

لا اله الا الله
لا الله الا الله
يا لطيف الطف بعبادك الضعفاء
ان القلب ليحزن وان العين لتدمع وما نقول الا ما يرضى ربنا انا لله وان اليه راجعون ابكيتنا والله بكت قلوبنا قبل اعيننا نسأل الله أن يصبر قلوب امهات الشهداء وأن يتقبل الشهداء ويرزقهم الفردوس كما رزقهم الشهاده ونسأل الله أن يقرب للمسلمين تحرير المسجد الاقصى وفلسطين
اخوكم فى الله
هانى جمال من مصر
ادعوكم لمدونتى
بارك الله فيكم والسلام عليكم ورحمة الله
سماهر!!!
هل اناقش فنية القصة؟ ليس هذا وقته. هل اناقش جملتك القصصية؟ ام الكاميرا التي حملتها بحروفك فنقلت لنا الالم كل الالم مشاعر واحاسيس
ام اناقش وضعا عربيا مترديا ام وضع شعبنا واهلنا في فلسطين وغزة هاشم ام اخرس؟
الافضل لي ان اخرس
فالصمت ابلغ من الكلام
فلقد خرست ياسماهر فلاحياة لمن تنادي في اصحاب الكراسي ولا خيرا في ققادة الفكر السياسي ولا خير في مثقفينا ووسائل اعلامنا
الخير كل الخير في الله عز وجل ولا حول ولا قوة الا بالله
محمد مشة
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
























"صرخت وصرخت بكل ما أوتيت من قوة، لكن أحداً لم يسمعنى وأحداً لم يمنعني .. "
"عاد ذلك الظلام يلف عقلي في اللا معنى؛ لم أعد أرى لكني بين حقيقة وخيال، سمعتهم يتحدثون عن شظية في البطن، وارتفاع في درجة الحرارة، وجنين على وشك الهلاك .. ثم أطبق ظلام كامل؛ لا صوت لا صورة ولا حياة."
ولا حتى احلام ..!!