خرجت من باب بيتي إلى المجهول .. هل سأعود اليوم؟ سؤال أطرح كل صباح .. الطائرات لا تحلق اليوم ربما كانوا يخافوا الأجواء الخماسينية .. كان هناك طفل لا يمكن أن يكون قد تخطى الثانية من العمر يرقص على باب أحد البيوت .. و برغم أنه كان شبه عاري و أشعث الشعر و وجهه لا تكاد تظهر معالمه من الغبار الذي يغطيه، إلا أنه بدا لي جميلاً و مبتهجاً بشكل لا يتلاءم أبداً مع الجو القاتم و الرياح التي برغم أنها لم تكن قوية إلا أنها كانت متوترة مغبرة تجول بلا هدف مثل قلبي الذي لا يرتاح و لا يريح.. في السيارة التي ركبت كان صوت ميس شلش ينسل إلى روحي و يستلها ببطء قاتل .. " صباح الخير يا بلادي يا وردة نورت نيسان صباح الخير لجروحك يا دمك زين الحيطان" في الشارع كان هناك الكثير من طلبة المدارس منهم من يمشي بتثاقل و منهم من يتقافز و هو يروي لأصحابه عن مغامرات ربما كان خاضها في الحلم ليلة أمس .. الفتيات يراقبن بخبث ويضحكن من وقت لآخر .. هذه مختلفة إنها حزينة لا تضحك.. ما الذي تنظر إليه .. آه يا مسكينة صُدمت باكراً .. أكنت أحببته ذلك الذي يلاحق أخرى .. و من هذا الذي ينظر إليك بأسى .. عجيبة هذه الحياة .. نحيا كل تفاصيلها التافهة برغم أننا نعرف أنها من الممكن أن تنتهي ببساطة و تغدو صور أشلائنا جديد تليفزيون فلسطين أو فضائية الأقصى .. "صباح الخير للشارع و حارة و مدرسة و جامع صباح الخير للطالع يواجه قوة الطغيان" آه يا ميس كم هو صوتك رائع كم هو حزين يوزع ألمه في فضاء لا محدود .. لم يعد الطغيان بارود و قذائف فقط أصبح جرح حياة يومي يجمعنا و يضرب قلوبنا ثم يلقينا للألم .. ذلك الرجل اعرفه لقد فقد ساقه في أحد الاجتياحات لكنه لم يجلس يوماً في بيته .. يخرج في كل صباح يُجري جولته الصباحية قبل الذهاب لعمله .. و تلك المرأة هناك أعرف أن زوجها استشهد قبل شهر لكنها تبدو عادية و إن كانت قد خسرت من وزنها .. و ذلك الصبي لقد شفي أخيراً في الحقيقة أنها معجزة بعد 15 عملية لاستخراج شظايا قذائف .. صباح الخير لعيونك أه يا عيني صباح النصر يا إلي اسمك فلسطيني صباح المجد يا الي إنت إله عنوان يستعصي علي يا ميس أن أمر بهذا العجوز مرور الكرام.. فهو لا يتعب من سرد قصص البلاد للصبية الذين يتحلقون حوله دائماً أمام دكانه الصغير .. صمتهم و ثباتهم و عيونهم المتعلقة بوجهه المجعد تستثير فضولي .. كم وددت أن أنزل من السيارة و أجلس معهم .. لقد سألت يوماً جارةً له تعمل في مكانٍ قريب من مكان عملي عما يقول العجوز لأبنائها و الصبية الآخرين فردت بغير اكتراث : " هذا واحد خرفان .. يحكي لهم عن بيسان و يافا و حيفا وعسقلان و الرملة و النكبة و المذابح و الرجعة .. أنا عارفة راح يموت و هو يفكر في العودة .." "صباح الجرح من صبرا و من قنا صباح الصبر على الغربة و منفانا صباح العودة حتماً يافا ملقانا حتما حيفا ملقانا رام الله و غزة ملقانا.." حتماً يافا ملقانا .. كم أتمنى ذلك يا ميس .. فتلك المرأة لا تعرف كم أنا متشوقة مثل ذلك العجوز للعودة .. لا تعرف كم يهمني اشتياقه و اشتياقي .. في قلبي عجوز مثله .. حزين .. خائر القوى ... لكنه لا يمل المشي في طريق العودة .. خسارة انتهت اغنيتك سريعاً و بدأ يوم آخر ثقيل طويل .. نزلت من السيارة و توجهت لمكتبي .. لكن بعضاً من كلماتك سيبقى معي لساعات .. " صباح الخير يا وردة .. أخبارك .. ابنك طلع من المستشفى ؟" "صباح الخير يا علي كيف كتفك فكت الرباط ؟؟" "صباح الخير يا أم هاني، عظم الله أجركم" "صباح الخير يا عم أبو سامي.. كيف المعنويات .. صبَّحت على الرملة اليوم ؟" " يا محمد.. كاسة قهوة بس ما بدي إيها سادة اليوم !!"
أضف تعليقا
عندما يأخذ الموت وضعه الطبيعي تصبح الحياة بعزة ممكنة ويبرأ المسلم من مرض الوهن حتى مع حجـم المعاناة...صباحكم فل وياسمين يا أهلي الصامدين فـي فلسطين و صباح العزة يا أهل غزة
اختي العزيزة سماهر
.................
ما اجمل صباحات الوطن وكل اوقاته
رغم ما تحمل هذه الارض من معانه يومية
اجمل صباح لكل اهلنا الصامدون على ثرى ارض الرباط
من فلسطين

الشاعر أيمن فوزي ..
استوقفتني كثيراً كلمة وجوه الموت .. لقد تعثرت مؤخراً بهذه الحقيقة: الموت ليس له وجه واحد.. بل وجوهه أكثر من اللازم ..
لكن هذا لن يمنعنا من مواصلة حياتنا بأمل وعمل محاولين التأقلم مع وجود هذه الوجوه إلى أن يقدر لنا الوقوف في مواجهة أحدها وعندها لا يهم كثيراً أيها سيكون .. فحين ترى الموت بأي وجه ستصبح الحياة خلفك أو ربما تصبح أنت خلفها وتواصل هي ويواصل من يبقى بعدك دونك .. ربما فقط سيذكرون ابتسامتك .. وربما سيستعصي عليهم ذلك ..
كلماتك على قلتها تثير الكثير من الأفكار .. يعني عادي مفروض شاعر هههههه
من فلسطين

الأخ نسر جبال النار ...
لقد أخذ الموت في حياتنا وضعه "الطبيعي" لدرجة أن "الحياة بعزة " أصبحت ممكنة ومتوفرة حتى أصبح البعض خارجها (أي حياتنا) يعتبرها عادية وطبيعية وحتى مستهلكة لا تستدعي ولا تسترعي الاهتمام ..
بمناسبة الفل والياسمين هل عرفت أن الجوري قد تفتح في غزة .. الغريب أن الأحمر منه على غير طبيعته الشائعة ليس أحمر مشرق بل أستطيع أن أجزم بأن بعضه قد توشح بشيء من السواد .. لا تعرف كم أحب الجوري خاصة الأحمر .. لكن أذكر فيما مضى أنني كنت أفضل الزهري الفاتح والأبيض ..
ولا أذكر ما كان لون العزة في تلك الأيام لكني أبداًلم أشعر بها كما الآن ...
لقد رأيت أكثر من تعليق لك في جيران في الفترة الأخيرة .. لقد أثرت انطباعي بلا شك ..
شكراً لك وأهلاً بك دائماً في حكايات 
من فلسطين

المبدع نياز المشني ..
أجمل صباح لروحك المحلقة في سماء الإبداع .. شكراً لهذا الصباح الجميل ..
وشكراً لفنك الراقي الذي أتمنى له دائماً الاستمرارية ونيل التقدير الذي يستحق ..
سلامي للعائلة ...
من لإمارات العربية المتحدة

مسائك عنبر
جميلة يا سماهر
جميلة جداً
فرح
من المغرب

السلام عليكم ورحمة الله
أختي سماهر
بصراحة مقالاتك جيدة ورائعة
والأروع ما تضنه من معاني
راقية لحب الوطن
اتمنى لك المزيد من التألق
دمت في حفظ الرحمـــــــن
صباح الوطن الجميل
مساء الوطن الاجمل
اسعد الله اوقاتك اختي سماهر بكل خير
ستبقى للوطن حكاياته ا لتي تروى
وستبقى سمائه تلد النجوم رغم الاعاصير
وأرضه تزهر الجوري والدحنون
وأهله عز وفخار لكل الشعوب
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية


















على هذه الأرض ما يستحق الحياة
( الأستاذ/ محمود درويش )
و نحن نستحق الحياة
و نغذيها دوما بابتسامة قبل أخيرة في وجوه الموت
أيمن