ها قد عدنا من جديد إلى القهوة، قاومتها كثيراً حين راودتني رائحتها هذا الصباح، لكني لأول مرة، ونزولاً على رغبة غير مسبوقة، لم أجد بداً من الرجوع عن قرار كنت قد اتخذته ذات مرة. كثيراً ما أتخذ قرارات فجائية بإنهاء تعلقي بأشياء أو أشخاص أو أماكن، وأقلع فجأة عن طلبها أو التفكير بها أو حتى تذكرها، وكانت القهوة بين هذه الأشياء. وحين أقول قهوة فأنا أقصد تلك التي أصنعها بيدي وأضعها في كوبها المميز الذي تكتمل نكهتها فيه. قد لا تكتمل هذه النكهة إن لم أراقب الماء على النار وأرى تلك الفقعات الصغيرة الشفافة تكبر وتفيض إلى السطح. وقد لا تكتمل نكهتها إن لم أضع نصف ملعقة السكر الجاف، وأرى تساقط بلوراته واحدة وراء الأخرى في الماء، الذي يثور بمجرد احتضانها؛ ولن تكتمل نكهتها أبداً إن لم تملأني رائحتها حين أضيف ملعقة البن الممتلئة وأبدأ بالتحريك بعيداً عن النار... تظهر تلك الطبقة الترابية المحببة على السطح، ويختلط بها لون الكراميل المتماوج، فأسكب قليلاً من هذا المزيج في كوبي رقيق الحواف، ثم أعيدها إلى نار هادئة خافتة تغلي قليلاُ ويغلي معها عالمي كثيراً ثم أعود بها للكوب الصغير، وأسكبها ببطء لألا يضيع سحر الرشفة الأولى. أجلس وحيدة في أي مكان لكن ترتسم أمامي ملامح ياسمينة أبي القديمة وتحل درجات مدخل بيتنا ذاك مكان أي كرسي قد أجلس عليه، وأبدأ بارتشاف قهوتي وأرشف معها صوراً وتفاصيل وعوالم .. الرشفة الأولى .. ناعمة وكاذبة تحمل القليل من النكهة والكثير من الهواء.. لكنها لذيذة لطالما كان الكذب لذيذاً.. وتبدأ رائحة القهوة بالتماهي مع نكهة الروح وتختلط العوالم .. الرشفة الثانية .. قوية مفاجئة؛ توقظ الحواس الثملة، فتبدأ بحثاً عن هوية تشابكت قليلاً وكثيراً، وتتداعى صور الواقع مختلطة بصور خيال كاد يغزو ويحتل .. الرشفة الثالثة .. قوية أيضاً، لكنها اعتيادية تحاول إقناع الروح بما هو موجود، وتحاول فرز الصور المتداعية، وتحاول وضع الأمور في نصابها، وفي معظم الأحيان تنجح نجاحاً كبيراً لكنه ... اعتيادي لا يستدعي احتفالاً .. الرشفة الرابعة .. حقيقية مجردة .. نكهة لا لبس فيها.. قهوة بلا مؤثرات ولا كثرة احتمالات .. مجرد قهوة مغلية ربما أكثر من اللازم أو أقل من اللازم .. رشفة وراء رشفة انتهى الكوب وبقي القليل من البن في القاع وفي القاع تكمن الكثير من الحقائق.. كنت فيما سبق ألعق ما يتبقى، لكن لكثرة ما صدمتني حدته سابقاً، وجدت نفسي ألقي بالكوب المحبب بعيداً.. يبدو أنه انكسر، ويبدو أنها المرة الأخيرة التي سأشرب فيها تلك القهوة .. بل إنها كذلك.. كُسر الكوب.. وهذه المرة مجبرة على القرار .. سماهر الخزندار

أضف تعليقا
من مصر

( تابع - تعليق 2 ) ..أما ( أنا ) فخرجت فى صباح باكر !!..صدى السكون المقيم يلف محيط المكان - لقد سهر (الجيران ) حتى مطلع الفجر !! ..فقط بعض الصبية والأطفال ممن أعرفهم كانوا بالساحة الخضراء المجاورة..كانوا يجمعون أجزاء طائرات ورقية ملونة ويستعدون للاطلاق ...نصحتهم على عجالة بضبط ( ميزان )الحركة و الأرتفاع فى مواجهة الارض وقبل السقوط !!.. خاطبونى ووعدتهم بمباراة كرة قدم عند حلول المساء !!.. هى ذى الطرقات القديمة التى سلكتها مئات المرات !!..هى ذى الطرقات التى بقيت موعدا للتفتح والانقسام !!..أحمل أقدامى وأنقب فى بعض الجذور تبدو (الأخطاء) - سيدتى - فى معظم الأحيان ذات طبيعة مقدسة !!.. والخطأ( من وجهة نظرى ) أن نحاول تصحيحها..فقط علينا أن نحاول فهمهاو صقلها بل وعقلنتها !..الاستياء - التحرر من الاستياء..كم أنا مدين للفضل ببعض التجارب !!.. فجأة ودون مقدمات وجدت أمامى الحكيم العجوز" أبويا على " متكئا على عصاه القديمة : أزيك عماد ألى اين تذهب فى هذا الصباح ؟!..أجبته : الى المقهى والشيشة والقهوة الصباحية - لا بديل !!..ضم شفتيه وبدا ممتعضا : فى يوم شم النسيم ..غير الواجهة وغير المشروب !!.. نظرت اليه وخرجت الكلمات ببطء من فمى : لكنك علمتنى أن أخسر بشروطى ولا أكسب بشروط الآخرين !!.. ابتسم وادار ظهره ثم تراجع قائلا : ليس فى الأمر أى مكسب أو خسارة ..أنها الحياة .. وسائل جديدة نحو هدفك الجديد - ما رأيك !!.. تركنى وحيدا والسؤال يعصف بى : هل هى حروف رهيبة مسجلة بلغة قدر لا يمحى - لماذا لا أجعله صباح أول بنكهة النعناع..لماذا لا أجعله صباح أول بنكهة النعناع !!.. عماد
هذه الحياة وصباحاتها ..هذه الحياة وقرارتها ..كم اشتهي أن أكتب عنها وعني وعن قهوتي وطقوسها .. وكم يفقد قلمي اليوم بصيرته ..
كم اشتهي ان أقول ما يجتاح هذه الروح ..تلك التي لا تفقد عندي بصيرتها ابدا .. وكم اشتهي احيانا أن تغمض عينيها عني وتتركني وشأني .. لكني سأعود لأموت ان فعلت واتوه بدون نورها ..
في مثل هذا الصباح أنا لا اشرب القهوة يا سماهر ..صباحات القهوة عندي حالة حب خاص ومزاج لا يتكرر في كل لحظة ..
كنت أرغب أن أكتب لك عنه وعنها كيف ولماذا وبجوار اي حبيب اتناولها ومتى تنكسر طقوسها وتذروها الرياح ..وأي روح تعيدني لأعيد شتاتها وأرمم ما انكسر من فنجانها الخاص لأجل روحي انا قبل كل شيءربما كما رأيت ابي يفعل ذات حياة ..
صديقتي الحبيبة ..
كثيرون اولئك الذين لا تنكسر فناجينهم ليتخذوا قرارا ..ربما لأنهم قد انكسرت نفوسهم لعقم أفهامهم ..
هؤلاء سيشربون دائما قهوتهم من افواه اكواب مجروحة ..
أعدك على الأقل أنني لن أكون من امثال هؤلاء .. الى أن أكتب لك ردا من ذاكرتي الخاصة أهديه من الان اليك يليق بصداقتك التي غمرتني بالرضى والصفاء ..وبكثير من الضحكات والنكات .. غمرك الله بالسلام والرضى ابد الدهر ..
وأطال الله عمر فنجان قهوتك ههههههه
من فلسطين

الأخ عماد ..
كان بودي أن أرحب بك وبصديقك السيد محسن يونس في المقال السابق لكنني هذه الأيام أمر بأزمة وقت خانقة .. ومع أنني ما زلت أعاني هذه الأزمة بالإضافة إلى الحالة النفسية السيئة التي تحاصرني في غزة المحاصرة.. وبرغم وصور الأطفال المتوشحين بدمائهم التي تلاحقني حتى في نومي ..
برغم أشياء كثيرة وددت أن أرد اليوم هنا على هذا التعليق بالذات وبرغم أنك كتبته في وقت ليس لي فيه رغبة بأي شيء .. إلا أنه لسبب أو لآخر جعلني أحظى بشعور بارتياح ولو لدقائق ..
هذا التعليق سابقةتحسب لك يا عماد .. ولا أقول هذا لأقلل من قدر تعليقاتك السابقة .. لقد قلت لك في أول رد لي على أول تعليق لك أننا مختلفين وأرجو أن تتفهم معنى هذا الاختلاف بطريقة إيجابية ..
الميزة في هذا التعليق ليس أنه أخرجك من حالتك الجامدة (ظاهرياً) إلى حالة أكثر حيوية على المستوى التعبيري وليس أنه أيضاً أظهر مقدرتك على الخروج من ثوب التنظير والقوانين الجامدة إلى أفق التعبير الأدبي (الذي لا يخلو من الإشارات المبطنة)..
هو بالنسبة لي تعبير عن روح مثابرة لم أرها عند أي من الرجال الذي مروا هنا .. لديك إصرار عجيب يجبرني على احترامه ..
وهذا الاحترام يا أخ عماد - إذا كان متبادلاً وإن أردت ذلك - يمكن أن يكون نقطة نبدأ بها تواصلاً فكرياً جديداً لكن رجاءً بعيداً عن تعصبات كلينا ..
من فلسطين

لقد كنت أنوي أن أرد على تعليقك لكن يبدو أنني انجرفت للتعليق تداعياته وتداعيات ما أمر به .. أرجو أن تتفهم ما يحدث معي يا سيد عماد قد أعود للرد على تعليقاتك الأخيرة بما يليق بها لاحقاً لكني لا أعد بذلك ..
أرجو أن تنقل خالص تحياتي للسيد محسن يونس وتبلغه اعتذاري عن التأخر في الرد عليه والترحيب بزيارته الأولى لمدونتي..
سلامي لأهل مصر.. وكل عام وهم بخير ولو متأخرة 
من فلسطين

الغالية أروى ..
العزيزة منى ..
وكل من مر على حكاياتي تاركاً لي كلمة أو سلام ولو كان شفهياً .. شكراً لكم جميعاً .. سامحوني لأنني لن أستطيع الرد بما يليق عليكم حالياً ..
تحياتي للجميع ...
من مصر

الصديقة / سماهر ..تحيات خالصة .. شكرا على التقدير..لم أكتب يوما قصة ولم أقرض الشعر - وفوق ذلك لا أحسب أننى أمتلك أدوات النقد الجيد فى كليهما !! ..ما دفعنى الى التعبير بهذا اللون الأدبى هو محاولة مجابهة فرض اليأس والاحباط المرسوم بوشم تفاصيل نكهة القهوة الصباحية الأخيرة !!..فمشهد الأمثولة كان صادما لى بحق .. وبنوع من خبث المعرفة الواعى التى أظن أن غريزتى جيدة فيها شرعت فى طرح اتجاه معاكس للتصور وزاوية مغايرة للرؤية !!.. نعم .. هناك وسائل جديدة نحو هدفنا الجديد - وهناك صباح جديد آخر بنكهة النعناع !!..ما يؤلمنى فى دنيا جيران هو التنقيب فى الضمائر ثم لغة التجريح وأخيرا أعلان القطيعة !!..أحكام مسبقة ورغبات انتقام منهكة تفتقر الى شرعية السند والتبرير !! ..كثيرا ما أسال نفسى أيتها الصديقة : أذا كان المدون يتقوقع على ذاته مسجونا فى فرديته رافضا حوار الآخريين فلماذا حضر أصلا الى هذا العالم ؟!..وأذا كان مولعا بالخصومة لمجرد العداء ومحبا لتشويه وطرد الآخرين فانه مازال بعيدا يقف ولا شك عند منتصف المسافة .. لا هو مدون جيد ولاهو مقاتل شريف !!.. نحن فى حاجة الى بناء قواعد ثقة و حوار نبيل واحترام متبادل بين الجميع ..وفوق ذلك ميثاق للعمل والفكر التدوينى الجاد والرصين !!.. سأبلغ الروائى / محسن يونس التحية ..اليوم سيحتفل اتحاد كتاب مصر بروايته الرمزية " سيرة جزيرة ديامو " بمدينة المنصورة .. وسأنقل اليكم ملخص الحدث أن شاء الله .. وبالمناسبة لقد كنا نتجاذب النقاش منذ أيام وهو ينتظر ( ب ) من قوس الربابة على الوتر المقطوع !! ..هو أخبرنى بذلك وعلينا واجب ابلاغ الرسالة !!..دمت بخير وسلام ..عماد
صاحبة المدونة المهجورة
من المفروض أن تدفعي لعماد السبع ثمن إحياء مدونتك التي ماتت لم نر لك زوارا غيره أعتقد أن السبب فيمن تشرب القهوة وفي صاحبة الدار وواضح إن الفراغ عندك جعلك تطوفين مدونات الغير تتبعا للفكر الراقي لمحاولة هدمه لأنك ضد التقدم والتطور ويبدو أن فكرة العبودية مازالت مسيطرة عليك
اغلقي الدار وغيري النشاط احسن يا شيخة
عمك ياسين
من مصر

كي لا يصيبك الذبول ، في ذهني لم يأت ذاك اليوم بعد ، الواقع تخطاه ، ولكن ذاكرتي ومشاعري خلف خطوط نيرانه ، كيف يمكن لقطرة ماء ألا تتبخر وهي في حلق الشمس ، و كيف يمكن لخيمة العرس أن تنصب في مأتم الشهداء ، وكيف تكون الطفولة ، في عيني طفل جائع خائف عار ، ...
هناك في بؤبؤ العينين ..رغم أن نجوم السماء جميعها خمدت ..تسكن ضحكة ..تفلق الغم ..و تشعل الرماد ..وتغسل عن العالم ..التافه المسرع ...ملامحه الفانيه ....
هذا يحدث في غزة فقط ..من أجل هذا .. ستبقى .. " قهوتك ..لا تنسى أبدا ..وستبقين ..امرأة ضد النسيان ْ "
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية















من مصر
صباح جديد بنكهة الربيع ..اليوم ذو طابع خاص ومميز ..مصر تحتفل بعيد شم النسيم !!..حالة الجو جيدة جدا على غير العادة !!..سماء زرقاءو شمس ساطعة وسحب متوسطة مسحوبة وممتدة تنعكس عليها صورة الماضى والحاضر معا !!..نسائم منخفضة تهب وريح ناعمة هادئة وعليلة وضوءأخضر بعيد !!.. وكل القطوس المتداولة تقطع بسلام هذا الاحتفال العتيد .. عشق أجدادى للارتماء فى حضن الطبيعة عبر صباح انتصر فيه آله الخير ( نبترع ) على آله الشر ( ست ) ..نور يوم زاهى يعلن فى كل عام تفوق الخير والحب على الظلم والكراهية..(البيض ) يعد اشارة دالة على حسن النوايا وزخرفته رمز لخروج الحياة من الجماد وتلوين الأيام بالأمانى واللآمال ..(البصل ) يأخد الكسل والخمول ويساعد فى طرد الأرواح الشريرة !!.. و(الفسيخ / السمك المملح ) يرتبط بنهر النيل وعلامة على الطاقة ووقاية وعلاج من حميات الطقس !!..كل المحاولات الدينية السلفية البائسة فشلت فى احباط الاحتفال " بعيد شمو " الذى يعنى " عيد بعث الحياة " فى عقيدة الفراعنة ..الكلمة العليا والأخيرة لانجيل الحب والحياة - يا سيدتى - والا لماذا صمدت فكرة الاحتفال فى مواجهة الكهنة و ناموس الدين !.. ( يتبع )