حكايات
وآفة العقل الهوى فمن علا -- على هواهُ عقلِه فقد نجا- أبو بكر محمد بن دريد

أجندة غزة وشطب الذاكرة (الحلقة2)

هذه الحلقة الثانية من سلسلة أجندة غزة وشطب الذاكرة التي ينشرها الأديب الفلسطيني الراقي غريب عسقلاني على موقع أجراس العودة .. الحلقة الأولى كانت عبارة عن مقال بعنوان "قوس الربابة على وتر مقطوع" وقد تم نشره سابقاً في حكايات وهذه الحلقة عبارة عن عدد من القصص القصيرة جداً التي تدور أحداثها في فترة الانتفاضة الفلسطينية الأولى وما بعدها ..

الغفوة
سقط الشهيد..
ومضى به الشباب قبل أن يصادر الجيش الجثة, رشت الصبايا عطرا غزيرا, وتحلق الأطفال يمتشقون الحجارة, وسارت الجنازة في أزقة المخيم المحاصر.
لا إله إلا الله.. والشهيد حبيب الله,.
منافذ المخيم المؤدية إلى المقبرة محاصرة, قرر الشباب الوصول إلى المقبرة, فكرامة الميت دفنه.. تميز الضابط حقداً, وانصرع الجنود وكان الالتحام وتشبث خالد بنعش رفيقه.. ترنح ووقع على الأرض كتلة هامدة بجوار جثة الشهيد التي اندلقت من النعش على الأرض..
قالت صبية شرقت بدموعها:
- تناوبوا عليه بالهراوات على مؤخرة رأسه.
تمدد سبعين يوما, يحدق في الناس, يعرفهم أو لا يعرفهم, لا أحد يجزم, حتى الطبيب وقف حائراً, وأصبح خالد حكاية في المخيم وحكاية في المستشفى, حتى أفاق.
قالت أمه التي لم تفارقه منذ وقع:
- صرخ فجأة, لا إلة إلا الله والشهيد حبيب الله.. وبكى طويلاً لأنه لم يودع رفيقه وحبيبه.
وعندما استوعب المكان حدق في المرضى من حوله, وعاتب أمه:
- لماذا تركتموني في الغفوة, زارتني في الغفوة كوابيس شريرة.
حدثت أمه النساء في المخيم قالت:
- تركته وانطلقتُ إلى الطبيب أزغرد
تمتمت عجوز تبحث عن ولد مفقود " سبحان الله "
 


*  البكر

سقطت قنبلة الغاز في حوش الدار, وحوش الدار بمساحة حصيرة لا يزيد, انضغط الهواء, تلوى غابة ثعابين, زحفت إلى حجرة حسنيه وتسرب خلال مساحات جسدها الطري, ترنحت العروس, قذفت ما في جوفها, دارت وانخبطت بالأرض, وسال من بين فخذيها سائل أصفر, ورفرفت مثل عصفور ذيح, شهقت حماتها, ضربت على صدرها, ولولت:
- أنه الإجهاض.
رجعوا بحسنية من المستشفى, ورجع عادل من العمل, تمددا يحدقان في فضاء الحجرة, مر براحته على جلد بطنها, هبط تكوّر عزيز عليه,’ ابتسم في العتمة, ومسح دمعة برقت على خدها, هدهدها مثل طفل, وراحت أصابعه تتفقد تضاريسها, كانت ترتجف, همس:
- نحن في البداية والبطن بستان.
- قطفوا زهرتنا البكر يا عادل.
- يرحمه الله.
أجهشت ودفنت رأسها في الوسادة, فيما حدق هو في وجه العتمة يطارد قمراً نوارى خلف النجوم..

*  العين
سرحت شعره الذهبي, غارت عليه من خيوط الشمس, غسلت يديه وقدميه بماء الورد, توردت وجنتاه, قبلته فغرغر ضاحكاً, قضمت أصابعه بوله, وعرفت فيه العشق وخافت من الحسد وتذكرت قول أمها " لا يحسد الصبي إلا أهله " بصقت تطرد الشيطان, ولهجت بسورة الفلق وخشعت لله, ومضت إلى العيادة تطعمه ضد شلل الأطفال.
وفي الطريق مرت سيارة الجنود, فانطلقت الحجارة, وانطلق الرصاص, وانتقلت هي تعدو..
حومت رصاصة في الهواء, دارت دورتها, وضاعت عين الصغير, انخلع قلب الأم وبكت الشمس وتلونت ضفائرها بلون الدم, وتبخرت رائحة ماء الورد, ورقص الشيطان مزهواً في حافلة الجنود.. وفي مستشفى هداسا, سأل الطبيب اليهودي غاضباً.
- كيف..
- الجنود.
قذف معذباً:
- اللعنة.
في غرفة العمليات انتهى الطبيب من حشو كهف العين بالقطن, وهمس لمساعده:
- السياسة تنظر للأشياء بعيون زجاجية..

*  استقالة
نجح في الثانوية العامة فزغردت أمه, ووزعت باكو سلفانا "شوكلاتة" على الحبايب والجيران.. وعندما دخل مدرسة الشرطة, احتارت أمه, تفرح أو تحزن, فهي لا تحب الحكومة "طريق الحكومة شوك"
أصبح الولد شرطي مرور, واحتارت في أمر الدفتر السميك الذي يخرج به كل يوم, ورجع به وقد ضمرت أوراقه.. سألته:
- هل عدت للقراءة من جديد يا ولد؟
- هذا دفتر مخالفات يا عجوز, ابنكِ يوقف أكبر شنب في البلد عند حده, ويلطعه مخالفة على كيفك.
والكيف, أن تخاف عليه, فالولد نمرود ونظره أطول من قامته والحكومة غدارة.. سكنتها النخوة وكانت واثقة " ما يلم اللحم إلا أصحابه والبنت أستوت" وعجلت في زواجه من ابنة عمه, وقالت تقنع نفسها "يخلف ولد, ويعرف معنى الرحمة فيرحم أولاد العباد"
وعندما تبدلت الأحوال, وسرحت في الشوارع أقدام لم تنبت شواربها بعد, ظهرت حواجز ومتاريس فرضت على الشارع حالات جديدة أصبح معها دفتر المخالفات عبئاً ثقيلاً, وبات ظهور الدفتر مخالفة, وسرايا الأطفال في كل مكان..
وضع الحذاء والدفتر والبدلة أمام الضابط ولم يؤد التحية, وخرج يملأ صدره هواء جديد, ودار في الأزقة يكتشف الأطفال..
وعندما رجع إلى البيت سألته:
- وبعد؟
احتضن طفله وقال:
- أبحث عن عمل يا حاجة.
شلحت زوجته الحلق, وملصت معصمها من زوج الأساور, فتقمصته جهامة الشرطي وكان عاشقاً.. قال:
- لم يصل الأمر لهذا الحد.
أطلقت أمه زغرودة طويلة, ولم توزع السلفانا هذه المرة, فالصغير يحتاج وجبة حليب.

* ليلى وخالد
خالد وليلى توأمان.
خالد أسمر نحيف, يتوسط وجهه عينان سوداوان لامعتان تكسبانه جهامة طيبة, وليلى بيضاء رهيفة, شعرها الذهبي يلمع كلما حطت الصبح عليه تنعكس على رفة عينين تناجيان بحار برئ.
في عيد ميلادهما الرابع, أهداه أبوه حصانا جميلاً, له قوائم عالية وصدر ضامر نحيل, يزوم ويصهل كلما جذبه خالد, واهدتها أمها عروساً تفتح عينيها وتغمضهما, تضحك وتناغي كلما وسدتها ليلى على صدرها..
وفي يوم, كان الصبح ندياً وكانا يلعبان, خالد يقود حصانه, فيما ليلى تزف عروستها على ظهر الحصان, تمضي الزفة حتى تصل الأرجوحة في حديقة الدار, يربط خالد حصانه في جذع شجرة اللوز, ويجمع له الأعشاب عليقاً, وتساعد ليلى عروستها بالهبوط عن ظهر الحصان..تناغيها, تغرغر وتضحك حتى تنام على صدرها.. تفتعل ليلى أمومة مبكرة, تهدهد العروسة تقرصها, تبعدها عن صدرها وتنهي رضاعة مزعومة, أما خالد فمشغول بحصانه, يسرجه بقطعة قماش, ويلجمه بقصبة عشب جافة, وينهر ليلى أن تُسكت الصغيرة الرعناء.
الأم والأب في عرس متجدد, يراقبان الأمر بوله وانبهار, يتبادلان نظرات أبلغ من الكلام..
فجأة, يُسمع صوت ارتطام حجر وزجاج يتهشم.. تشحط الإطارات على الإسفلت, وينط في الدار صبي شاب يقفز عن سور الحديقة إلى الجيران, يفرقع الرصاص, ينخلع الباب تحت وطأة الأحذية الثقيلة.. ينتشرون في المكان, يدفعون الأب في صدره, يقع أرضاً:
- أين هو؟
- من هو!
- الصبي.
- لا يوجد غير الطفلين.
- كذاب..
حوطت المرآة طفليها, صرخوا بخالد:
- أين الصبي؟
- ركب حصانا ومضى.
دفعه أحدهم, تدحرج بين أرجلهم, تكوم عند حصانه, صرخوا بليلى:
- أين الصبي؟
سكنت الشمس على ضفيرتها, وهاج البحر في عينيها, وارتمت على خالد تحبس دمعة خوف:
- أين الصبي؟
- عند العروسة التي ترضع الأطفال.
داس الجندي على ظهر الحصان, فانغرست قوائمه في أرض الحديقة, داس الجندي أكثر, فغطس الحصان في الطين.. لم ينكسر ظهره, وظلت قصبة اللجام في فمه..
نكس الجندي رأسه وشاط الأرجوحة بقدمه الثقيلة.. وعندما غادروا الدار, كانت الأرجوحة تعلو وتهبط, والعروسة تناغي وتضحك, تفتح عينيها ولكن لا تغمض.. 
--------------------------------
غريب عسقلاني \ ibrahimzant@hotmail.com
منقول من الرابط التالي:

 
تم نشر هذه الحلقة بناءً على طلب الجار والأديب المصري محسن يونس عبر السيد عماد السبع، وأنا أهديها لهما وتحياتي وسلامي لهما ولجميع زوار وأصدقاء حكايات ..
 

السيد المحترم محسن يونس ..
 
سأقوم بإضافة روابط باقي السلسلة لاحقاً إن كنت مهتماً وسيكون جميلاً أن تراسل الأديب الرائع غريب عسقلاني على إيميله الخاص المبين أعلاه إن شئت .. فأنا لست أكيدة من أنه يتابع ما أنشره له هنا في حكايات ..
 
تحياتي لك وأرجو لك المزيد من النجاح والتميز وأتمنى أن تسنح لي الفرصة ويتسع وقتي لقراءة نصوصك فهي تحتاج لأكثر من قراءة ولذهن صافي وهذا ما تبين لي حين زرت مدونتك مؤخراً ..

(7) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 05 مايو, 2008 02:01 م , من قبل نبيلة غنيم
من مصر

الأخت الغالية سماهر
أشكرك علي هذه المجموعة القصصيةللأديب الفلسطيني الراقي غريب عسقلاني..
إن القص البديع يجرنا جراً للسير معه حتى النهاية .. وهذا ما حدث لي بالفعل
فلم اترك كلمة من الاول حتى النهاية ..
اختيار موفق جدا
تسلمى عزيزتى لنقلك الجميل وحسك الراقي
تحياتى


اضيف في 05 مايو, 2008 02:32 م , من قبل sama77
من فلسطين

السيدة الفاضلة نبيلة غنيم ..

نورتي حكايات

قرأت أحلامك السيريالية بالأمس ربما بمجرد نشرها .. وتركت في نفسي أثراً غريباً ربما لأنني أعيش واقعاً مشابهاً بشكل أو بآخر .. أردت أن أترك لك كلمات لكن الوقت لم يسعفني أبداً أنا بالكاد أستطيع أن أفتح مدونتي في هذه الفترة .. ولولا أني شعرت بالخجل لتأخري في تلبية طلب قارئ مواظب لمدونتي وجار عزيز مثل السيد عماد ومعه بالطبع السيد محسن يونس لما استطعت إيجاد وقت لنشر المقال الأخير ..

سيدتي لقد خجلت أيضاً من نفسي حين وجدت تعليقك على هذا المقال .. لطالما أعجبت بروحك الطيبة الجميلة المبادرة .. وبالتأكيد بحسك المرهف في تذوق الأدب الراقي

ربما تعرفين أنني لست من هواة المجاملات وتعرفي أني أقول هذا الكلام من قلبي وبكل صدق ..

شكراً لتعليقك الجميل وزيارتك العزيزة جداً


اضيف في 07 مايو, 2008 06:52 ص , من قبل mohsenyonis
من مصر

الأخت : سماهر
تحياتى
لقد سعدت لأننى تعرفت على كاتب شريف مناضل مثل غريب عسقلانى ، مع أنى لم أكن أعرفه ولكن الصديق عماد السبع تفضل بالدور الكبير فى طريق هذا التواصل فشكرا لكوله .. أما من ناحيتى فسوف أتواصل مع الكاتب غريب عسقلانى من خلال الرابط الذى تفضلتى بذكره ..
ممتن
دمت مناضلة


اضيف في 08 مايو, 2008 11:25 ص , من قبل نور كلمات خاصة


صديقتي الغالية سماهر ..

سررت جدا بتعريفك لنا على هذا الأديب المبدع الأستاذ غريب عسقلاني ..ما سرني أكثر هو حديثك لي عن تجربتك الخاصة معه في عالم الأدب لا شك انك كنت محظوظة باستاذ مثله ولا شك بانه كان محظوظ بطاقة ابداعية مثلك ..وهذا لا يتوفر الا للقليلين ..

كتاباته تشي بانسان صاحب رؤية لا يخطئها بسبب توجهاته الفكريةولا تجعله يخضع للتشنجات كما يفعل الكثيرون ..

عمق ثقافته العربية الإسلامية الأصيلة تتبدى في كل كلمة يسطرها وهذا ما اذهلني أكثر ..هو أديب أذن مغموس في واقعه ..
بحثه الدائب عن الآخر المبدع لتكتمل الساحة بكل الوان الطيف هو أكثر ما أثارني ..قليلون أمثال اولئك ..قليلون جدا ..
اعترافه واعتراف الأستاذ حسن بركات بادبيتك المتميزة العالية شهادة وفخر لك كنت أتمنى أن تسجيلي هنا في مدونتك تجربتك معهم لأستمتع بتفاصيل اكثر ..لتكن لمدونتك شهادة على تميزهم الإنساني وبصمة حق قيلت في قلمك المميز ..
قد لا يعجبك ما كتبته هنا لكني أحببت أن أقول رايي كما يحلو لي هههه
اتمنى لك وله ولكل أديب صادق ( من الصداقة ) قلمه فانصفه فكرا حرا كل المنى والحب والتوفيق ..

بالمناسبه عندما قرأت " قوس الربابة على ةتر مقطوع 1" أحست انني أقرأ لسماهر ..وأعجبت هنا بقصته " العين " بتركيبتها اللغوية وبأدبية عباراتها ..



اضيف في 08 مايو, 2008 04:18 م , من قبل emadelsape
من مصر

السيدة / سماهر أم العبد ..تحيات خالصة ..آسف على تأخرى فى الحضور اليكم حيث تلتهم المهام القانونية القاسم الأعظم من الوقت !.. شكرا جزيلا على تلبية طلبنا بنشر حلقة ثانية من الأبداع القصصي للاديب الفلسطينى / غريب عسقلاني .. المجموعةالمنشورة لهذا الروائى الأشهر تستوجب - ولا شك - وقفة للرصد والمراجعة ومن عدة جوانب ..فهذا الاديب يفاجئنا دائما بالجديد على مستوى تجربته الابداعية شكلا وموضوعا !! .. ثمة حاجة لاثبات أن ( غريب عسقلانى ) ليس ( غريبا ) على الجماعة الأدبية والنقدية المصرية -لاسيما اليسارية منها- التى كانت ولاتزال مهتمة برصد ومتابعة تحولات القلم الأدبى الفلسطينى نثره وشعره .. وفى وقت سيدتى يرفض فيه بعض المبدعيين رابط ( النعت و التصنيف الفكرى )- فان ( غريب عسقلانى ) يطرح دون مواربة وشائج تلك الرابطة ويؤشر عليهاو يقدم بامتياز نموذج ومعادل الأديب الملتزم والمثقف العضوى معا .. هؤلاء( رافضى التحديد ) يعتقدون -وعن خطأ - أن( أضافة وحساب ) المبدع على تيار فكرى وعقائدى بعينه سوف يسلب من رصيدهم وحضورهم وجمهورهم العام !! .. هذا وهم كبير - فمبدعنا منذ بداياته الأولى يدحض (أطروحة الأديب المبدع ) الذى يتنصل وعن عمد من موقفه الأيدلوجى ورؤيته لقضية الصراع الاجتماعى والسياسى .. هو أعلنها جهيرة عبر رائعته الكبرى والعالمية ( الجوع / طبعة دار مصر القديمة 1979 ) بحتمية النظرة ( الوطنية والطبقية لأشكالية التحرر الوطنى الفلسطينى ).. باختصار : شعب فلسطينى يروم تحرير أرضه وانعتاقه الاجتماعى والطبقى من ربقة الظلم والأستغلال أيا كان لونه وانتمائه ودون طنين دينى وقومى أجوف .. خطاب يساري أصيل سبق لى أن رددته صراحة على صفحات مدونتكم ولكن ومن أسف لم يلق آذانا صاغية ! .. بندقية الثورة التى تكتسب هوية وطنية وطبقية وتكون بيد طليعة عمال و فلاحين و كادحين والتى تمتلك القوة القادرة على انجاز مهمة التحرير.. عالم وأجراس ( غريب عسقلانى ) الحقيقية والصادحة تنتمى الى تلك المنهجية فى التنقيب عن جوهر الصراع ودون أدنى مبالغة .. ( يتبع )


اضيف في 08 مايو, 2008 09:45 م , من قبل emadelsape
من مصر

( تابع - تعقيب 2 ) ..الرواية تترجم هذا المفهوم وتؤسس له من خلال أبن غزة الثائر الفلسطيني ( سعيد ),- الذى أصبح أجيرا داخل إسرائيل ..غريب عسقلانى صور الصراع بين المناضل سعيد وغيره ممن يذهبون إلى العمل في مصانع (العدو / المستغل ).. هذا الصراع سرعان ما يتحول إلى ( صراع طبقي ) بين المضطهدين ( سعيد + العامل أبي محمود + العامل اليهودي الشرقي عزرا من ناحية)وبين صاحب العمل ( شلومو ) من ناحية ثانية..( عزرا) هو يهودي يمني فقير يبدو رفيقا ل ( سعيد)ويعمل في البناء مع ( عمال عرب ) لدى المقاول اليهودي الغربي .. ويغدو هؤلاء العمال( العرب واليهود ) ضحية لاستغلال هذا الرأسمالى اليهودى الجشع ( المقاول / شلومو ) على مدار الرواية ..منها حين يزورهذا الأخير موقع العمل ويلاحظ تراخى العمال بسبب ضعف عزرا، فيطردهم وتكون المفاجأة أن سعيد يقف مساندا ومنتصرا لعزرا .. وفى موقف ثان كان ( سعيد / لاحظ دلالة الأسم) يبني ويبني معه زملاؤه العرب غرفا جديدة لسجناء جدد فيما يضطهدهم السجان.( سعيد مع أبي محمود وعزرا اليمني ) يشيدون السجن لهؤلاء القادمين من الغرب المستغل وراءالبحار، لليهود الغربيين الذين تنتفخ جيوبهم، في حين يموت أبناء عزرا والعرب من المرض والفقر وقلة ما في اليد، على الرغم من أن عزرا يعمل في مهنتين .. معطيات الظرف التاريخى قد تكون مختلفة الآن , ولكن تبقى رؤية الصراع فى صيرورته كصراع قائم على فكرة الاستغلال وعلاقات العمل والانتاج المادى المرتبطة باحتلال الارض واسطورة الدولة .. غريب عسقلانى كان موصولا فى تلك الرؤية مع جيل عتيد من الآباء المؤسسبن لفن القص والرواية الفلسطينية .. انعاش الذاكرة حول رواية ( الجوع ) يفجر تساؤلات دالة حول واقع هذا اللون الفنى على خريطة الادب الفلسطينى .. اذ تبدو هناك فجوة وعدم تواصل , وحيث فقدت قوة الدفع الاولى مبررات وجودها وحضورها داخل المشهد .. لماذا لم تراكم الاجيال الروائية التالية عناصر تلك الرؤية على المستوى الابداعى شكلا وموضوعا ؟!.. ولماذا استمرت سيادة وهيمنة المنتج الشعرى وقوالبه على صدارة الموقف الادبى الفلسطينى العام ؟!..ولماذا تراجع حديث المواضيع الانسانية وحدثت تلك القطيعة مع الشخصية اليهودية وتم تحويلها الى شر مطلق ؟!..ولماذا لم تتحرر آفاق القصة من أسار القضية السياسية الى آفاق القضايا الانسانية الكبرى على غرار تجربة الجوع ؟!.. ثم , أين ؟!..ولماذا تراج


اضيف في 10 مايو, 2008 02:48 م , من قبل emadelsape
من مصر

( تابع تعقيب - 3 ) .. تراجع أدب الطبقة العاملة الفلسطينية - والتى تنتمى رواية " الجوع " الى أحد مباحثه وتنويعاته ؟!..وحسبى أن فن القص الفلسطينى لن يتجاوز أزمته الا عبر الرهان على هذا المنحى ( تجارب مقاومة عمالية فلسطينية تخوض صراع الحياة والمصير و تتضافر مع آفاق تجربة التحرر الأنساني العام والشامل )..ليس هذا محض اجتهاد ذاتى - فقد قرأت أخيرا دراسة للناقد الأنجليزى الأشهر " تيرى ايجلتون " حول الطموحات التحريرية للكادحين والفقراء فى هذا العالم أنه يراهن علي تجاربها الخاصة لتدشين أمكانيات جديدة و غير مسبوقة لفن القصة والرواية فى زمن الرأسمالية العولمية الشرسة ..ثمة أطلالة سريعة واجبة على قصة ( الغفلة ) .. فهذه القصة وعلى نقيض المتصور تطرح صيغة لتأكيد قيمة الحياة فى مواجهة حادثةالموت ( حتى ولو غلفته قيمة الشهادة الدينية ) ..فى مركز الدائرة ( خالد / لاحظ دلالة الأسم وصيرورة الوجود فيه ) فى مواجهة شهيد لم يرد الكاتب على ( ذكر أسمه ولا ملابسات حياته و تجربته ) .. فخالد هو الحكاية ( حكاية المخيم والمستشفى معا ) فى مواجهة شهيد ( سقط وأندلق عبر مقبرة محاصرة وكرامة تختزل فى سرعة مراسيم الدفن ) .. ميزة ( خالد / الأنسان الحى ) فى مواجهة مشهد الموت ( المدثر برمزية الشهادة ): أنه يؤكد حقه فى التساؤل النهائى : لماذا تتركوننى فى الغفوة ؟!..خالد يرفض الغفوة ( النوم الخفيف ) ويعلن تمرده عليها فهى مرادف للكوابيس الشريرة ..سباعية الغفوة ونجمتها ( السبعون يوما ) تتجاوز ما أقدم عليه الشهيد من تفتيت ( سداسية العدو ) وذاك هو دلالة الرقم وسبوع خالد الجديد وميلاده ... ( يتبع )




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية