كانت غزة قد فتحت عينيها على صباح جديد من الاختناق في ذلك اليوم. كنت أحث الخطى صعوداً نحو المفترق الذي سأستطيع عنده إيجاد سيارة تقلني إلى عملي. كان هناك عدد شحيح من السيارات، وأعداد كبيرة من الناس، الذين أصبحوا مألوفين يمشون أمامي وخلفي؛ كانوا ككل يوم يمارسون الرياضة الإجبارية التي فرضها الحصار. نفس الوجوه لكن لا شك أنهم أصبحوا أكثر رشاقة وسرعة من أيام مشيهم الأولى حين كانوا يمشون خطوة ويتلفتون بحثاً عن سيارة في الخطوة التالية. أصبح هناك الكثير من الأشياء المألوفة في صباحات غزة برد أيار، وحر أنفاس بركان يقارب على الانفجار؛ وأكوام القمامة التي تغطي رائحتها على رائحة الجوري والياسمين وباقي الأزهار، وطوابير السيارات التي تحاصر محطات الوقود؛ والمخابز التي تفتح قبل الفجر وتغلق بعده في أيام الأزمات الدورية؛ والكهرباء التي باتت تنتقل من حي لحي تمارس رقصاتها الصباحية والمسائية؛ وصباح جديد بلا غاز طهي، أحياناً بلا خبز ومعظم الوقت يوم جديد بلا وجبة غذاء تقليدية، حتى العدس أصبح طبخة مكلفة تتطلب رفاهية؛ وزيوت الطهي أصبحت حلاً لتشغيل السيارات منذ سقط الشيكل كما سقط الدولار: "شكيل !! لا يا أختي هو الشيكل له قيمة !! أقل توصيلة صارت باثنين شيكل ما بدك انزلي" كانت غزة تتخم رأسي بالهواجس حين رأيتها تنحدر مع انحدار الشارع المرصوف باتجاهي، في البداية لم تكن معالم وجهها واضحة لكن انحناءة ظهرها كانت تشي بتقدمها في السن. سرحت في ألوان ثوبها الفلاحي الأسود المطرز بالأحمر وقليل من الأخضر وصوتها الرفيع يشق الهواء نحو أذني "نعنع بلدي .. نعنع بشيكل" بدأت ملامح وجهها تتضح تدريجياً، كانت الوديان التي تشق وجنتيها ترسم خريطة لحياة قاسية، وكلما اقتربت مني بخطواتها الثابتة السريعة التي لا تتناسب مع سنها كنت أشعر بأن الحياة أكثر قسوة.. وجدتها تقف في مواجهتي فجأة، وملأتني رائحة النعناع حين رفعت ضمة صغيرة في وجهي وهي تردد: "نعنع بلدي .. بشيكل" أُخذت لوهلة وأنا أنظر في عينيها الخضراوين، يبدو أنها كانت جميلة في صباها، ثم تداركت أفتش في حقيبة يدي بارتباك. أخرجت تلك القطعة الصغيرة، التي تلقفتها هي بابتسامة عادية وأعطتني الضمة وهي تقول: - راح تدعيلي وأنت تشربي الشاي .. - في أي أرض زرعتيه يا حاجة؟ - في جباليا.. أرض الخير - وفي مواصلات من جباليا !! - ومالهم رجلي.. في أحسن من هيك مواصلات؟ - جيت مشي؟! تعب عليك !! - هو بعد مشينا من يبنة** راح نعد مشي يا بنتي؟! أخذت ضمة النعنع من يدي واستبدلتها من جرابها بأخرى أكبر وأنضر؛ أعطتني الضمة وقالت: "شكلك تعبانة اشربي نعنع من غير شاي" ومضت في طريقها، ومضيت أنا أيضاً في طريقي، وأنا أشعر برائحة النعناع تمنحني قوة جديدة، مشيت بهمة نحو أعلى المفترق أفكر في القدمين المشققتين لتلك العجوز، كيف حملتها كل تلك السنين، وما تزال قادرة على حملها رغم تداعي الجسد؟ وكيف تستطيع أن تبتسم عبر كل ذلك الشقاء الذي يرسم نفسه على قسمات وجهها؟؟ تداهمني مشاهد لم أعشها من مأساتها، وفجأة أخجل من تذمري قبل الخروج من بيتي لشح غاز الطهي ورداءة الكهرباء.. على الجهة الأخرى من الشارع، كانت هناك امرأة أخرى تشبهني تقف في انتظار سيارة .. مررت بها، ومرت بي العديد من السيارات التي تنبعث منها رائحة زيت الطعام المحترق لكني لم أقف؛ فجأة سيطرت علي فكرة أن قدمي أولى، وأنه بعد مشي رحلة طويلة من الآلام، لا بأس بمشي رحلة يومية قصيرة .. يغيظ إسرائيل. ** يبنة: قرية فلسطينية نزح أهلها أثناء النكبة ولجأ معظمهم إلى قطاع غزة. سماهر الخزندار 20 مايو 2008
الثلاثاء, 20 مايو, 2008
إهداء إلى بائعة نعناع حقيقية .. لن تقرأ ولن تحتاج لذلك :)
أضف تعليقا
اضيف في 21 مايو, 2008 01:28 م , من قبل sama77
من فلسطين
من فلسطين

الشاعر والصديق أيمن فوزي ..
الله ما يجيب زعل يا أخي
بالعكس هذا كمان رأيي .. ناس متل هاي العجوز بكلمة ممكن يضووا طريق ما كنا متصورين إنه موجود ممكن بعفويتهم ينسجوا عوالم من الأمل والألم ما كنا بنعرفها ولا ممكن نهتدي إلها بدونهم .. هم حقيقة وإحنا على رأي صديق عزيز نلبسها عباءات كتاباتنا .. وأنا كتير مبسوطة إني كنت موفقة باختياري للحقيقة إلى عرضت في هذا النص
وبمناسبة الكتابة .. كأنك مضرب عن الكتابة من مدة .. اكتب يا أيمن خصوصاً لما ما يكون في مخرج تاني .. أكتب وتذكر غزة وهالعجوز يمكن يطلع معك شي ما كنت تتوقعه 
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية














تعرفي......؟
بدون زعل
أجمل نا في الموضوع
أن بائعة النعناع لن تقرأها و لن تحتاج
هؤلاء الناس يجيدون الشعور بالحياة و التغاب معها
حقيقة
هم أفضل منا بكثير فنحن نترقب و هم يسيرون
أيمن