حكايات
الأرواح الحرة لا تموت والأحلام حين تجد أجنحتها تسافر بعيداً -- سماهر الخزندار

الجرح الأخير .. أنا وغزة والملثم (مع تحديث)

كان الليل عفياً ذاك المساء

النجوم نصف نائمة

والقمر مسافر إلى عالم الخيال

وكنت في الشرفة أقف شاردة

أحدق في نهاية الشارع المظلمة

وهيئ لي أن العتمة هناك تحركت

وبعد قليل تجسدت رجالاً طوال

لم أر في العتمة سوى عيون لامعة

وخيالات تقترب بخفة

تراجعت و أخفيت شهقة في صدري

وبرغم سرعتي لمحتني إحدى العيون

ورأيت في العينين ابتسامة وراء لثام

سريعة خاطفة كأنها خيال

 

وفي لحظة اشتعل السكون

وزمجرت من كل اتجاه

أصوات كريهة تزوم

وفجأة انفض جمع الرجال

تعثر ذو العين الباسمة

فركضت للباب وجذبته للداخل

تعالت أصوات غريبة في الشارع

واقتربت أقدام هائجة من الباب

فأشرت للملثم لشرفة قريبة

منها قفز إلى أخرى

وبرغم أن السماء كانت تشتعل

والأرض تغص بجنون اللاهثين خلفه

استدار أمرني بعينين متعبتين ولكن حازمتين:

ألا أفتح الباب لغريب آخر

ثم اختفى بين أشجار عرفته وعرفها

ووقفت أنا مكاني .. وحين استدرت

كان الأعادي يملئون البيت

مشيت بينهم أخفي شماتتي وجلست

أقسم أبي بكل مقدس أنه لم يدخل أحد

وارتجفت أخواتي وراء أمي وأنا

على كرسيي أراقب جنون هزيمة

تقت إليها أياماً طوال ..

 

في اليوم التالي خرجت للشارع

وكان الناس ما يزالون مشدوهين

يتهامسون على الملثم الذي اختفى كالسراب

وإن كان اختبئ فوراء أي باب؟

وكنت أمشي بينهم وعقلي مسافر مع العينين المتعبتين

أتذكر الصوت القوي والكلمات القليلة

فأشعر للحظات أنها كانت ليلة مسحورة

وأن الملثم فارس وأنني كنت الأميرة

وبينما أنا على شرودي

طالعتني عينان متعبتان باسمتان

غمزت لي إحداهما من وراء جريدة

ومر بي كالطيف

لكنت قلت أنه وهم لولا ..

كلمة "شكراً".. وحين وصلت مدرستي

فوجئت أن في جيب حقيبتي جريدة !!

 

بعدها أصبحت أرى الملثم كثيراً

كأنه يتبعني .. كأنه ظلي .. كأنه موجود لأجلي

إن تطاول أحدهم نال العقاب

وإن اشتعلت النار حولي يظهر من اللا شيء

وبعد أن يخرجني يختفي كالسراب

وحين أذكره أجده أمامي يخفي وجهه

وراء لثام أو جريدة أو حتى كتاب

لا أرى منه سوى العينين المتعبتين

اعتدتهما وبت أعرفهما من بين ملايين العيون

عاديتين كعيني أخي أو جاري لكنهما كانتا

من دون العيون تجدان طريقهما لخفق القلب بانسياب

 

وفي يوم كانت الحجارة والرصاص مطر

عدت أدراجي للبيت أفكر بذي العينين المتعبتين

ثم وجدته فجأةً يركض باتجاهي

دفعني أمامه في طريق جانبية

وتعالت طلقات الرصاص ورائي

ومن طريق إلى طريق نجري قابضاً على يدي

حتى وصلنا إلى بيارة ما

وهناك تهاوى على كتفي وسقطنا تحت شجرة زيتون

كان الجو ربيعاً لكن ريح ألم عصفت بنا

كان الوقت ربيعاً وسقى الورد من دمائه نهر

تكلم الوهن في عينيه حين سألته إن كان بخير ..

وزمجرةُ سيارات مفترسة تقترب ردت علي

أشار إلى جدار قريب وطلب من الرحيل

مددت يدي ترتجف على اللثام فأزاحها

وصرخ بي بغضب أن أرحل

فتركته وركضت وأنا أبكي بقهر

 

حين وصلت البيت دخلت غرفتي

وأغلقت الباب ووقفت أمام المرآة

وعلى كتفي كانت هناك دماء

خلعت قمصي وأخفيته

وفي اليوم التالي خرجت من مخيم قريب

جنازة لملثم روى بدمائه كلها شجرة زيتون

حمله ملثمون مثله وهتف الناس للشهيد

وقفت على الرصيف أنظر للجسد المحمول

وأتخيله عينين عنيدتين جداً لكن متعبتين

أغمضت عيناي على الذكرى وحين فتحتهما

كان يقف أمامي على الرصيف الآخر

يبتسم من خلف اللثام

وللحظة كدت أركض نحوه

لكن حال بيننا أناس كثيرون يحملون أعلام

وحين ذهبوا كان قد اختفى

كالحلم .. كنجمة مسافرة تختفي

قبل أن يرتد طرف العين ..

 

وفي المدينة بقي الناس لأيام وشهور

يرددون حكايات الملثم وانتصارات الملثم

ويقسمون بكل الأيمان أن رائحة المسك

ما تزال تفوح من شجرة الزيتون

ولولا أنني كنت هناك .. لما صدقت

ولولا أن خزانتي تقول ما قالوا..

ما آمنت ولولا أن المسك ما يزال

في قميصي لكنت قلت أنهم يصدقون

فقط لأنهم طيبون !!

 

والملثم كان جرحاً أخيراً

وفي الحقيقة أنه استعصى على الكتاب

لكن لأن الجرح بالجرح يُذكر

كان لزاماً أن أذكره

أو لأنه يعيش معي ولا أنساه أبداً ..

ذكرني هو بالكتاب ..

وفي ذاك الكتاب جراح كثيرة

لكن لا جرح مثل هذا يقف حلماً

حين يُذكر يصبح كل ما قبله

وكل ما بعده .. مجرد .. سراب ..

 

وغزة مثلي تعرف الملثم

وغزة مثلي تعشق الملثم

وغزة مثلي تعيش زمنها

وتحب من أبنائها المختال

وتحب من أبنائها الحزين

وتحب من أبنائها العاق

وتحب من أبنائها الرحيم

وحين تشتد الخطوب تعود

لشجرة الزيتون وتحني شعرها

بحنة ممزوجة بتراب روته

دماء الملثم ..

وتغسل شعرها في البحر فيحمر موجه

وينجب ألف ألف ملثم

وكل واحد منهم يفديها

وعيناه المتعبتان لها ..

تتبسم ..

 

سماهر الخزندار

1 يونيو 2008

 


أعتذر لأنني تعجلت في إنهاء هذه السلسلة التي كان من الممكن أن تمتد لأسابيع .. وأعتذر إن كنت قد خيبت ظن البعض بطبيعة وحقيقة هذه النصوص ..

هناك أسباب خاصة تمنعني من الاسترسال أكثر في الكتابة في هذا الموضوع ..


تحديث:
أصدقاء وصديقات وزوار حكايات..
سأغيب لبعض الوقت ربما ليس كثيراً .. أرجو ذلك .. ولكن وجب التنويه احتراماً  لمن كان ينتظر رداً مني على تعليق أو إيميل ولم أتمكن ن من الرد عليه / عليها.. 
 
وفقط لمن يهمه الأمر ...
 
لا تضيعوا ما في أيديكم بكاءً على ما لم تطلها
فإن ضاع بكيتموه ..
ولا أعز مما ضاع منا في التباكي ..
 
قد أكمل هذه الكلمات نصاً .. في وقت ما .. إذا لم تكن هي الكلمات الأخيرة :)
 
لا حرمكم الله لكم حبيباً ..

(6) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 02 يونيو, 2008 09:35 ص , من قبل نور كلمات خاصة


أمممم أعتذارك غير مقبول ابدا حتى مع كل اسبابك ..

سلسلة كان يمكن ان تكون من اروع ما كتبتِ ..لست مسؤولةِ عن طريقة تفكير القارئ كائنا من كان هذا القارئ حتى لو كنت ُ انا ههههههه ,, عن جد اني زعلانه ..لأنكِ كنتِ تفيضين القا جرحا بعد الآخر ..متى سنتعلم نحن كقراء ان لا نحصر الشاعر في زاوية فنقتل فيه حريته في الإنطلاق والإبداع .. ومتى سيتعلم الشاعر ان لا يبالي ..

لا زلت اتمنى ان تعيدي النظر في قرارك وتكتبي هذا الكتاب الثمين من جراح الحياة وليلبسها كل ما يناسب ثوب عقله ..

وبالمناسبة هل قلت لك من قبل أني اكرهك بسبب هذا القرار ..حسنا انا اكرهك الآن ههههههه

ولذلك لن اقول لك رأيي في روعة ما كتبت ههههه

صباح الفل يعني بتقدري تقولي ورد ما في ..D:


اضيف في 03 يونيو, 2008 01:02 م , من قبل halataha

الله عليك ... الله عليك ... مش معقولة!

عن جد إنها من أحلى الإشيا اللي كتبتيها، هاد إذا كا كانت أحلى شي!

ما تتخيلي شو لامست مشاعري، شو حلوة ومعبرة وعميقة وبتروي حكاية كبيرة أكبر بكتير من السطور!

سما.. انا كمان ما بقبل اعتذارك ...
انت بتكتبي للناس اللي بتفهم، هاد انا شعاري في الكتابة "أنا بكتب للناس اللي بتحس وبتفهم" ، مو للناس اللي مو ملاقية شغلة غير انها تفهم غيرها خطأ!

أبدعت يا سما .. أبدعت عن جد وبدون مجاملة!


اضيف في 04 يونيو, 2008 11:19 م , من قبل nowayloves

و عزة؟
هل ستحرِّم غزة
حناء ملثم عاشق
أو حناء ملثم غير صائم
أو حناء ملثم .......... آخر

لست الآن مثل غزة..
و ليست غزة مثلك
فغزة
تعلم العشق..
الحرب..
الذهاب مراراً و مراراً إلى الشاطئ..
و العودة من جديد لتفسير شطر في معجم عشق!


أيمن
( من المرات القليلة هذه المرة التي ارتعشت - لا أدري لمَ - و أنا أقرأ نصاً )


اضيف في 05 يونيو, 2008 10:39 ص , من قبل sama77
من فلسطين

أصدقائي الأعزاء ..

شكراً على كلماتكم الغالية ..

سأعود للرد على كل تعليق على انفراد وإلى حينها ..

-- بشوف كيف أراضيك يا أروى يمكن بنص غير شكل هههههه

-- حلا أهلا في حبيبتي زيارتك هاي غالية كتير علي كان بدي أرد من أول يوم بس ما قدرت .. لكن ملحوقة ..

-- أيمن ترى أنا بديت أغتر بحالي وأصدق إني بكتب شعر ههههههه

أنا متعبة جداً الآن وعلي الذهاب .. كونوا جميعاً بخيراً وتمنوا لي خيراً أيضاً

سلام ...


اضيف في 14 يونيو, 2008 03:06 م , من قبل mafhm
من سوريا

احيانا يكفي الصمت ان يكون جوابا
انحني باعجاب
كوني بخير


اضيف في 16 يونيو, 2008 12:31 م , من قبل halataha

سما حنستناك ما تطولي الغيبة. انا متأكدة إنك حترجعي لأنك ما حتقدري تضلي ساكته




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية