كم كرهت تلك الأسلاك الموصولة بجسدها الصغير. كانت كالربيع الشاحب، نائمة على سرير خريفها، الذي حل فجأة دون أن يكويها حر الصيف، أو يرويها مطر الشتاء. كالأرض البكر التي استباحها زرع شيطاني قبل أن يأتيها الزمان بمن يزرعها قمحاً أو يزين سنوات عمرها بالزهور التي تحب. أكره ذلك الألم الذي احتل وجهها، واغتصب ابتسامتها العابثة وضحكاتها البريئة، التي طالما أحببت. أكره الشفقة التي يشيعها بها الأطباء، ثم يديرون وجههم لبعض ليتبادلوا أحاديث عادية، وهم يكتبون السطور الأخيرة من حياة ابنتي الصغيرة عايدة، ويراكمون المزيد من الأوراق والفحوصات والتقارير في ملفها، الذي لم يتوقف عن التضخم منذ تم اكتشاف مرضها ... - ورم سرطاني في الكلية.. - سرطان !! - أنا آسف .. لكن الحالة في مرحلة متأخرة جداً .. عملنا تنسيق لتحويلها فوراً .. محتاجة لعلاج إشعاعي عاجل.. أفقت من شرودي على يدها الصغيرة، تحاول الوصول إلى وجهي لتمسح دمعة فرت دون شعوري. أخذت يدها وقبلتها، في حين تساءلت هي بصوت واهن: - طلعت التحويلة - اليوم يا بابا .. اليوم .. الدكتور راح يتصل علشان يستعجلها.. - بس نرجع بدي منك طلب - طلباتك أوامر - بدي نروح على البحر نطير طبق* - بنروح - وليش بتبكي - عنيي بوجعوني يا بنتي - لا إنت بتبكي لأنك عارف إني ما راح أرجع .. لأني يمكن ما أروح .. راح أموت متل التانيين .. بكفي يا بابا أنا ما بدي أروح .. وإذا ما لحقت أطيِّر طبق خد أخوي الصغير يطيره .. كإني طيَّرته.. شعرت باختناق يكاد يقتل ما تبقى مني.. خرجت لأتنفس قليلاً من الهواء، فإذا الأخصائية النفسية تمد لي كوباً من الماء. أخذته مع "شكراً" مبهمة ربما لم تخرج أبداً، نظرت إلى السماء كانت في الأفق طائرة ورقية تتمايل مع هواء أراه ولا تناله رئتي اللتان تكادان تحترقان. تنحنحت السيدة المهذبة، التي طالما هدأت من روع زوجتي، واستطاعت أن ترسم ابتسامة على وجه ابنتي المتألم دوماً منذ ذلك اليوم المشؤوم، الذي ظهر فيه مرضها. كانت تحاول أن تقول شيئاً ما، ثم فجأة انتبهت إلى الطائرة الورقية، التي كنت أراقبها، وكأنها وجدت ضالتها فقالت بأسى: - "الولاد يحبوا الطيارات الورق كثير .. عايدة تحبها كثير.. دائماً تقولي إنها تحلم أنها راكبة طيارة مثلها وطايرة بالسماء ... يا خسارة هيك طيارات ما نقدر نركبها إلا بالأحلام .. والظاهر إنه كل شي في حياتنا صار ما بيتحقق إلا بالأحلام .. كنت أتمنى إنه عايدة تقدر تطير على طيارة متلها حتى تنال حقها بفرصة في الحياة .. ظلم كبير إنه حياة طفلة في عمر عايدة تكون مرهونة بقرارات سياسية عمياء .. إنت عارف كم مريض ومريض قتلهم الحصار والتعنت الإسرائيلي؟ شي محزن.. دائماً نستبعد أن يكون أحباءنا أرقام جديدة تضاف لقائمة شهداء الحصار، لكن القدر دائماً يفاجئنا .. عايدة .. طفلة حلوة كثير وذكية كثير ولو كان مقدر لها الحياة كانت راح تكون ... - يكفي .. خلص فهمت .. التحويلة مرفوضة.. - أنا أسفة - أنا مش آسف .. كم بقي لها - ما في ضمانات .. ما بقدر أعطيك أمل كبير ... لم أسمع ما تبقى من كلمات السيدة الهادئة الصبورة، وجدت نفسي أندفع إلى سرير ابنتي وأنتزع عنها الأسلاك حاول بعض الممرضين أن يمنعوني لكن صوت السيدة الهادئة علا لأول مرة، وهي توقفهم، حملت عايدة وخرجت بها، وكان آخر ما رأيت في ذلك المكان وجه تلك السيدة تغطيه الدموع، وكان هذا سبباً كافياً لأعرف أنه لم يتبق لابنتي الكثير.. قدت السيارة وعايدة في حضني تمسح رقبتي وكأنها تحاول أن تهدئني، كما كنت أفعل لها حين كانت صغيرة. كانت عيناي تمسحان كل ما حولي، بحثاً عن شيء لم أكن أعيه حينها، وأنا أتجه بسرعة جنونية نحو الغرب، حتى ضغطت قدماي فجأة على مكابح السيارة، ناديت طفلاً كان يمشي حاملاً لطائرة ورقية، اشتريتها منه وأكملت طريقي، كان البحر يقترب بسرعة أو أنني أنا من كان يقود بسرعة، المهم أننا وصلنا إلى حيث كان أحدهم يجهز مركباً له موتور. طلبت منه أن يقلنا لوسط البحر، وحملت ابنتي وجلست مواجها الشرق، وبدأت أطلق الطائرة. كانت عايدة سعيدة كنت أشعر بذلك دون حتى أن أنظر إلى وجهها، كنت أرى تلك الابتسامة الجميلة التي طالما أسعدتني تعلو وجهها الصغير، وهي تتابع الطائرة الورقية وهي تعلو في السماء نحو أفق، لم تستطع هي أن تصله لتنال حقها في الحياة، حين علت الطائرة بأقصى مدى لها، أعطيتها طرف الخيط فشعرت بجسدها يرتعش وهي تصدر ضحكتها المحببة .. الأخيرة؛ فبعد ثوانٍ قليلة انفلت الخيط من يدها وطارت الطائرة الورقية بعيداً بعيداً، تحمل روحاً كانت تسكن الجسد الذي يرقد هامداً بين يدي، سافرت عايدة نحو الشرق مع طائرتها الورقية، وبقيت أنا وحيداً مع جسدها على قارب وسط بحرٍ بدا وكأنه مات هو الآخر فجأة، وكأن شواطئه تلاشت لم أعد أرى سوى ماء، وطائرة عايدة تحلق مع روحها نحو الشرق، وتلوح لي من البعد.. على الأقل ليست على الأرض؛ على الأقل ما يزال هناك سماء.. سماهر الخزندار 22 يوليو 2008 * طبق: طائرة ورقية .. أحد الألفاظ العامية بالدارجة الفلسطينية ..
أضف تعليقا
من الأردن

رحمها الله .....
ليس لدي ما أقوله .....
إن شاء الله تفرج .
دعيني أقتبس من قصيدة لعنة ليلة ليلة جائعة
دعينا نجلس تحت السما فهناك لا يقطعون الكهرباء
إذا ممكن أسأل سؤال فني
ليش الأب كان رايح للغرب
و البنت راحت للشرق
يا ترى فراق
ولا اتجاهات ........... سياسية؟
أيمن
من المملكة العربية السعودية

اختي العزيزة
يخرج الانسان منا الى هذه لدنيا وهو لا يعرف ماذا ينتظرة وتبدأ رحلة الحياة تأخذه هنا وهناك حتى يستقر لكنه لن يعرف المجهول فيبدأ يحلم ويتخيل وربما يخطط ويفعل مابوسعة لتحقيق امانيه ورغباته .
وأسأل الله ان يمتعك بالصحة والعافية وان يرزقك نعمةالصبر انتي وأهلنا في فلسطين الغاليه .. لك تحياتي
من لإمارات العربية المتحدة

جميلة يا سماهر
قصيرة وسلسة وموجعة ولها فعل المنبهات
صباحك أجمل
من مصر

دعينى اولا امسح تلك الدموع التى تسللت وخرجت منى دون ان اشعر بها .
فارقت عايدة الحياة وهى تبتسم منحها القدر اجمل مِيتة من الممكن ان يموت عليها انسان ماتت وهى تحقق حلمها الصغير فماتت سعيدة رغم المها وعذابها فهل نستطيع نحن ان نموت مثلها ونحن مبتسمون هكذا ربما يتحقق حلمنا هذه المرة على ارض الواقع وليس فى الخيال ولكن اتدرين متى يا عزيزتى عندما ندرك انه مازال بوسعنا ان نحقق تلك الاحلام التى عشنا عليها .
ربما لو تشابكت ايدينا وحاولنا جميعا ان نحقق حلم واحد نعيش عليه جميعا ان تعود لنا ارضنا المسلوبة منذ زمن ربما نموت ونحن سعداء كعايدة لو ادركنا (انه لا يستحق تلك الحياة من عاش لنفسه فقط) رحم الله كل الشهداء وابقى علينا ابتسامة امل فى هذا الحزن .
ابدعت بحق تقبلى مرورى وتحياتى .
تحياتى
لقد اكتشفت لتوى قصصية رائعة أريد أن اقرأ المزيد قبل ان اسجل تعليقى لكن الوقت لايساعدنى الآن لظروف طارئة اكتب فقط لأسجل مرورى على هذا الكنز ولى عودة للقراءة بتمهل وتسجيل التعليق مع احترامى وتقديرى .
محمود سالم
تحياتى
لقد اكتشفت لتوى قصصية رائعة أريد أن اقرأ المزيد قبل ان اسجل تعليقى لكن الوقت لايساعدنى الآن لظروف طارئة اكتب فقط لأسجل مرورى على هذا الكنز ولى عودة للقراءة بتمهل وتسجيل التعليق مع احترامى وتقديرى .
محمود سالم
تحياتى
لقد اكتشفت لتوى قصصية رائعة أريد أن اقرأ المزيد قبل ان اسجل تعليقى لكن الوقت لايساعدنى الآن لظروف طارئة اكتب فقط لأسجل مرورى على هذا الكنز ولى عودة للقراءة بتمهل وتسجيل التعليق مع احترامى وتقديرى .
محمود سالم
من المملكة العربية السعودية

الاخت الغاليه سماهر
بالصدفه مررت من هنا ولقيت رحالي من التجوال
لعلني اجد شيأ اقتات به من تعب المسير
فوجدت احزن الذي يملؤ كل مكان
كما يملؤ قلبي المجهد
كم نود وكم نتمنى منح الفرح لغيرنا ولكن ليس بأيدينا حيله
يرافقنا الحزن اينما سرنا نتذوق الفرح ولكنه سرعان ما يتلاشى كقطعة السكر
غاليتي
قصتك تركت في نفسي اثر عميق
ايقظت الانين واثارت المدامع
ولكن اجد هنا قلما ينحني له قامتي احتراما
اختك شموخ الانكسار
اتمنى بل واتشرف بزيارتك مدونتي
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية























من فلسطين
جارتي سماهر
ليست الاولى التي اقرا بها من مدونتك ولكنه التعليق الاول
لعائدة الرحمة
ولكل الاطفال الشهداء
تحياتي..مستر حوار