حكايات
الأرواح الحرة لا تموت والأحلام حين تجد أجنحتها تسافر بعيداً -- سماهر الخزندار

"بسمة أمل"

قد لا تعرفون بسمة وأمل، إنهما مهمتان جداً في حياتي، أكثر من أي شيء في الدنيا، وربما كان أكثر ما افتقدته أثناء الحرب هو اشراقتهما في نفسي، وفي غزة يحتاج الإنسان بسمة وأمل كما يحتاج الهواء، فبلاهما لا يستطيع أن يتنفس. يخطر ببالي الآن صورة عجوز ساخر، من منطقة العطاطرة بشمال غزة، يجلس بجوار أنقاض بيته، ويغني مبتسماً على الهواء مباشرة عن الحرب، ليخفف المصيبة على عائلته وجيرانه؛ ابتسامة تسخر من الألم وتصر على أن تحيي الأمل. في غزة المنهكة يحتاج الناس كثيراً للابتسامة حتى في أحلك الأحوال وأسودها، غزة المنهكة كانت اليوم تتلو علي صلواتها الجنائزية الصباحية اليومية، وأنا أتجه لمستشفى الأطفال التخصصي، أو ما أصبح يُعرف بمستشفى د. عبد العزيز الرنتيسي التخصصي للأطفال، بعد أن افتتحه رئيس وزراء الحكومة المقالة. هذا المستشفى مخصص للأطفال المرضي الذين يحتاجون إلى رعاية صحية تخصصية، بكلمات أخرى، من الممكن أن نقول أن هذا المستشفى يعالج حالات مرضية شديدة التعقيد، ودعونا نقول أن معظم هذه الحالات لا تكون محظوظة لتمرض بأمراض تستدعي علاجها في هذا المستشفى حتى في ظروف مثالية فما بالكم حين يكون الطفل مرض مزمن في القلب أو الكلى أو الجهاز الهضمي أو الدم والأورام في ظل حصار خانق على كل المستويات، ثم حرب لا ترحم كهذه الحرب.

 

بعد عدة جولات خانقة في أروقة المستشفى رأيت فيها العديد من المرضى وأهاليهم، بدأت تنتابني حالة اختناق شديد وكأنني أسقطت بسمة وأمل من جيب قلبي، تحاملت على نفسي وصعدت الدرج وأنا أحاول تذكر أغنية أطفال مرحة يحبها أبنائي، تخيلت طفلة مريضة ترددها مع زملائها في الغرفة حتى تخفف عن نفسها وعنهم ما هم فيه، ورحت أنا أيضاً أردد كلمات الأغنية وقد بدأت حالة من الارتياح تحل محل حالة الضيق التي أشعر بها كلما دخلت هذا المستشفى.

 

اكتشفت أن صوت الأغنية ليس في ذهني فقط، إنه ينبعث من مكان ما في المستشفى، وهو يعلو ويصبح أكثر وضوحاً كلما صعدت للأعلى، فقررت أن أواصل حتى وجدتني أقف أمام قاعة المكتبة، وحين وقفت بالباب لم أر رفوفاً وكتباً وموظفين، بل كانت هناك حفلة! كانت القاعة ممتلئة بمرضى قسم الدم والأورام وأهاليهم، وكان هناك شباب وشابات يلبسون سترات بيضاء يقومون بإدارة الحفلة، كان الأطفال المرضى يحاولون الرقص في الوسط مع شخص يلبس دمية أسد، المهم أنني ولأول مرة أرى هؤلاء الأطفال في هذه المستشفى يبتسمون؛ في العادة أراهم إما باكين بسبب سحب عينات التحاليل، أو ذابلين بسبب جرعة كيميائية تلقوها للتو، أو ساهمين بسبب حالهم الغريب الذي لا يد لهم فيه.

 

بعد أن انتهت الحفلة، سألت عن الجهة التي تنظمها فردت علي فتاة مشغولة جداً: "مبادرة شبابية .. بسمة أمل"، ولأنني أحب بسمة وأمل كثيراً، علي أن أخبركم بقصة هذه المبادرة "الشبابية" التي تحولت إلى برنامج. ففي يوم من الأيام جلس الأخوة أحمد وميسون وسماح يتحدثون مع أخيهم فنان الكاريكاتير والصحفي الشاب / محمد النمنم ويتداولون أحوال الناس الصعبة في غزة ويناقشون أي الفئات قد تكون الأكثر تضرراً مما يحدث وانتهى بهم الحال إلى التعاطف الجماعي والشديد مع الأطفال من مرضى السرطان، ومن هنا بدأت الفكرة التي أصبحت أكثر تبلوراً بنصائح ودعم وتشجيع الدكتور مصطفى عبد الشافي، وبدأ المشوار بنواة صغيرة من الأخوة الأربعة وقريبتهم وسام قاعود.

 

الجميل أن خمستهم لا يجمعهم في الاهتمامات والتخصصات سوى الأمل وحب عمل الخير، بدأت المجموعة بعمل زيارات ميدانية لمستشفى الأطفال التخصصي للحصول على إحصائيات بأعداد المرضى منذ شهر سبتمبر 2008، ثم بدأوا بالترتيب لفعاليات وزيارات منتظمة وتقديم الهدايا للأطفال، وأثناء الحصار قام بالترتيب لاصطحاب الوفود التي كانت تأتي على متن سفينة الكرامة لكسر الحصار، لزيارة الأطفال المرضى والاطلاع على أحوالهم ومدى التأثير السلبي الذي تركه الحصار عليهم، كبر الفريق وأصبح العديد من الشباب الذين يسمعون بفعاليتهم يتصلون بهم وينضموا إليهم.  بعد الحرب قرر المبادرون تطوير عملهم ليصبح برنامج متكامل رسالته "نزرع الابتسامة لنحصد الأمل" وبما أنني رأيت اليوم الابتسامة حيث كنت أتمنى، أرجو أن يصبح الحصاد قريباً..

 

وبناءً على الشعور الجميل الذي أحس به الآن، أظن أن بإمكاني أن أعلن، في بيان رسمي، أن بسمة وأمل ما تزالان هنا لم تغادرا غزة، ولم يخنقهما الحصار، ولم تغتالهما الحرب، وفي خلفية تلاوة هذا البيان ترقص مجموعة من الأطفال المرضى المحاصرين بالألم يبتسمون فيعود ليشرق في وجوههم الأمل ..

 

تحياتي من غزة الأمل

 

سماهر الخزندار

الأربعاء 2 فبراير 2009

 

أشكر من كل قلبي فريق برنامج بسمة أمل الذي يرأسه الفنان والصحفي محمد النمنم الشهير ب "أبو نون"

تحياتي إلى إخوته سماح وميسون وأحمد النمنم، وللأخت وسام قاعود والأخت إيناس ثابت وكل من لا أذكر أسماءهم من العاملين معهم ..

أشكر أيضاً الدكتور مصطفى عبد الشافي والدكتور سعيد صلاح لدعمهما وتشجيعهما لهؤلاء الشبان

وأشكر أيضاً سيدة خيرة قامت بتقديم المساعدة المالية والتشجيع لهم

 

ملاحظة سيتم نشر صور من هذه الحفلة لاحقاً ..

 

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية