حكايات
الأرواح الحرة لا تموت والأحلام حين تجد أجنحتها تسافر بعيداً -- سماهر الخزندار

فوق خط العذاب

انتهت الحرب وعدنا للحي؛ "هولاكو مر من هنا" كان هذا أحد أكثر التعليقات التي سمعتها ملائمة لوصف الدمار. كنا قد دفنا شهداءنا، واقتربت أنا ومن تبقى من أبنائي من المكان المفترض لبيتنا، لم يعد هناك بيت؛ فقط أنقاض في كل مكان. تبعت حاستي الخاصة التي تعرف تحديداً مكان بيتي، ووقفت على قمة الركام وسألت الله أن يصبرني على مصيبتي ويخلفني فيمن تبقى خيراً مما أخذ. نظرت إلى أبنائي، وقلت يا رب ارزقني صبرهم.. جلست فلحقوا بي واحتضنوني. من فوق ذلك الركام بدأت من جديد، وأنا معتادة على البدايات الجديدة؛ معتادة على أن أحترق وأعود لأخرج من رمادي؛ أُبعث من فوق أنقاض ما كان بيتي وبدون زوجي وبدون نصف أبنائي، كلها تفاصيل لا تغيير من دورة حياتي:

ولادة .. احتراق .. بعث       أنا امرأة "تعيش" في غزة.

 


قضيت الأيام الماضية أصارع المرض والوهن المصحوب بالهذيان الشديد، كنت كلما حملت ابني الرضيع أرى "محمد البرعي" نائماً نومةً أبدية في انتظار الدفن، وكلما نظرت إلى أحد أطفالي الآخرين أراه مضرجاً بالدماء، وكلما أغمضت عيني أسمع دوي انفجار رهيب يهز البيت، ثم أشعر بأنني أتمزق وأتطاير، ثم أغرق في لا نهائية أصحو منها على أحد أبنائي يهزني ويبكي مردداً "ماما .. ماما .. إنت شهيدة؟!" فأضمه وأبتسم قائلة: "إحنا كلنا شهداء يا حبيبي" أنعم بلحظة دفء قصيرة، ثم تعاودني قشعريرة المرض اللعين ..

 

أنا امرأة "تعيش" في غزة.
 


 منذ انتهت الحرب وأنا مريضة جداً ولست وحدي أعاني المرض، معظم نساء ورجال وأطفال  غزة يعانون المرض، كلنا نعرف لما نحن مرضى، ونتفهم أن ما يصيبنا هو نتيجة طبيعية للكم المهول من المتفجرات والغازات والمواد السامة، التي تم إلقاءها على رؤوسنا أثناء الحرب، ونتفهم أيضاً أنه من الطبيعي أن المياه التي نشربها تحتوي مخلفات هذه المواد، وأن الخضراوات التي نأكلها تمتص أيضاً سموم الحرب من التربة الموبوءة، ونعي أيضاً أن هذا وعلى المدى المتوسط والبعيد ينذر بأكثر من المرض العارض، الذي أصابنا، وتتفهم معظم النساء أنهن بحاجة للراحة لمدة معقولة قبل التفكير بالإنجاب، لأن نسبة احتمال ولادة الأطفال المشوهين والمرضى المزمنين ستكون عالية جداً. وبما أن النسبة الكبرى من الشعب عاطلة عن العمل، وبما أن الكهرباء مقطوعة والإنترنت لم يعد متوفراً كالسابق، ولأننا نود أن نجد شيء نتسلى به غير إنجاب الأطفال، فيبدو أننا سنبحث عن شيء جديد للتسلية.. مثل ماذا مثل ماذا ؟؟ فكرة رائعة .. ما رأيكم بإزالة إسرائيل!! أيتها اللعينة "إسرائيل" نحن متفرغون منذ الآن ..  "الموت الموت الموت لإسرائيل ... الموت الموت الموت لإسرائيل" .. لا لا أريد أن أغني .. هذا يقلل من طاقتي التدميرية ..

 
أنا إمرأة "تعيش" في غزة..

 


في آخر مرة ذهب زوجي لصلاة المغرب في المسجد، كنت خائفة عليه كالعادة، وكنت أرجوه أن يصلي في البيت، لأن الحرب لا ترحم والمساجد في غزة تُقصف، بكيت له حتى ابننا الوحيد الصغير بكى معي، وتوسل له أيضاً أن يبقى، لكنه أصر، وقال "حرام نهجر بيوت الله". مضى في طريقه، وبعد دقائق بطول الساعات والأيام، اهتز البيت من وقع الانفجار في المسجد القريب.. ضممت ولدي لصدري، وجلست أراقب حالة الهلع التي أصابت كل من في المنزل، والجميع ينادي باسم زوجي وأبوه الذي سبقه إلى المسجد .. ذهبوا وتركوني أراقب الباب في انتظار عودته، وفي الأيام الثلاث التالية كنت أيضاً أجلس في نفس المكان وحولي نساء كثيرات يعزينني وأنا أنظر للباب "ألن يعود .. هل حقاً لن يعود؟" والآن أتجنب الجلوس أمام الباب، بل كثيراً ما أجلس أنا وابني في الشرفة، أحكي له عن أبيه وجده وجد جده وكيف أن "إسرائيل" قتلتنا جميعاً، وكيف علينا أن ننتقم، قلت له "أبوك ما راح يرجع وإسرائيل كمان لازم تروح وما ترجع." وابني يفهم كلامي، ويعرف أن ما أقوله أوامر لا تحتمل العصيان،
 
فأنا ... امرأة "تعيش" في غزة..

 


قوة الردع الإسرائيلية هذه كبيرة جداً، بل جداً جداً بشكل جاد شديد الجدية، لكن يبدو أن الناس العزل الضعفاء أكثر ردعاً. قيل لي أن الجنود اليهود الرقيقين كانوا في غاية الرعب من الأطفال المتوحشين الهاربين من القصف، حتى أنهم قتلوهم دفاعاً عن النفس، وقيل لي أنهم شديدوا المرح، حتى أنهم لعبوا بألعاب ابني الصغير، بعدما ذبحوه أمام عيني، وأنهم شديدوا الذوق والتحضر، حتى أنهم تركوا لي رسالة اعتذار على باب بيتي، لأنهم استخدموا قهوة زوجي، وناموا على فراشه بعدما فتتوه هو تحت دباباتهم.. لا أعرف كيف أقول هذا، لكنهم شديدوا الكرم، حتى أنهم ألقوا ملايين الكيلوجرامات المتفجرة على الأرض التي أحب، والبحر الذي أعشق، والهواء الذي أتنفس، ليشحنوني بقوة عملاقة تفوق حتى قوة ردعهم، قوة تكفيني للأبد، حتى أستطيع أن أجعل من تبقى من أولادي، وأولاد من حولي، قوة إبادة تستطيع أن تطفئ النار التي أشعلوها في ربوع قلبي..
 
أنا امرأة "تعيش" في غزة

 


بات الخوف يعرف بابي ويعرف أن طرقه مضيعة للوقت، حين يحيطنا الموت من كل مكان وندرك أنه الموت أو الموت لا محالة، ونخاف، يصبح الخوف عار والهروب مذلة، لا أريد أن يأتيني الصاروخ وأنا مختبئة، فهذا تولي في يوم الزحف، أما وأن الحرب قد توقفت فسأجهز نفسي للحرب القادمة، لا أريد لأولادي أن يموتوا في فراشهم وبالإمكان أن يقضوا محاربين على خط النار، لا أريد لأبنائي أن يكونوا ناعمين، يحاربون في ميادين الكلام، وهناك رشاش وجعبة ومدفع. إن عادت الحرب فسيخرج أبنائي لما خلقوا له، سيقاتلوا في سبيل الله والوطن. لن نخرج من هذه الأرض؛ لن نهاجر من غزة، انتهت أيام التشريد، لا هجرة بعد. إن كان الموت أو الموت لا محالة، فليكن موت يذبح ليفني ويسحق ألمرت ويفتت بارك ويترك نيتنياهو، كشارون، معلقاً باللعنات بين الحياة وبين الموت.. برغم كل ما فعلتم ما زلت هنا أدجج أبنائي بالكرامة حتى لو كانت بداية رحلة ل"الموت".. يا كلاب "إسرائيل" الملعونة من كل صوب،،،    
 
أنا امرأة "تعيش" في غزة ..

 


كان لي يدين، وكنت أستطيع أن آكل وحدي، وأن أفتح باب غرفتي بنفسي، وأن أكتب، وأن أمسح على رؤوس أبنائي الصغار، وأن أضم زوجي الحبيب، وأن أعد لهم الطعام، وأغسل لهم الملابس، كان لي يدين يقبلهما أبنائي، ويمسكهما صغيري ذا الثلاث سنوات، كان لي يدين تفعلان الأعاجيب، وتعزفان لحن حياتي وحياة عائلتي. واليوم لا يد لي؛ لا واحدة ولا اثنتان وأنا في الحقيقة لا أفتقدهما كثيراً، لأنهما ذهبتا مع زوجي وأطفالي جميعاً بلا رجعة، بعد أن دفنوا تحت أنقاض البيت، الذي كانت يداي تحييانه، بلا يدين وبلا عائلة وبلا بيت .. إنها مرحلة أستخدم فيها فكي بشكل مكثف، فأنا لا أحب أن أكون عالة على أحد، حتى لو كان أبي أو أمي. بدأت أشعر مؤخراً أن فكي أصبحا قويين جداً، حتى أنني بدأت أفكر بالانضمام لصفوف المقاومة؛ عندها، سيكون بإمكاني إطلاق الصواريخ.. سأرسل هذه الصواريخ لتقصف يدي ليفني وتفتت يدي باراك وتأكل أصابع ألمرت، بكل ما أستطيع من الحب لأبنائي وزوجي ويدي، سأطلقها، وستصل حيث أريد ..
 
أنا امرأة "تعيش" في غزة.

 


في "أرض المحشر والمنشر" هنا في غزة استشهدت أمي، وأمي هذه تعني أمي الجميلة البسيطة التي لا تعرف القراءة أو الكتابة، لكن تعرف كيف تجعلني أفهم أنها أمي؛ وهنا في غزة أيضاً، استشهد أبي ونصف إخوتي وعمي وابن عمي وزجتة عمي ورضيعها الصغير، وبقيت مع من تبقى لنبقى ونصمد ونقاوم. والمقاومة تعني أن نبقى على الأرض أحياء، أو أن نفنى على نفس الأرض شهداء، المقاومة هي حرب بقاء، ونحن نقاوم لأننا ما نزال نستطيع أن نبقى، هنا بين الركام والحطام والأشلاء، ونحن نقاوم لأننا لا نخاف أن نرى الموت، ولا نخشى أن نتفتت، ولم يعد يخيفنا منظر الدماء. كان في حارتنا بيوت وكان لنا فيها بعض الأصدقاء في مثل أعمارنا، قاوموا مثلنا، لكنهم سبقونا إلى مصيرنا المحتوم.. ولأننا نعرف أنه مصيرنا لا نريد أن نموت مثلهم في أسرتنا. الطائرات فوقنا تقول لنا "سنقتلكم" ونحن نرد أننا نحن من يحدد كيف تراق منا الدماء.

 

في جسد طفلة .. أنا امرأة "تعيش" في غزة..

 
سماهر الخزندار
16 فبراير 2009

 

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 16 فبراير, 2009 09:43 م , من قبل souadsaleh

أيتها المرأة التي تعيش بغزة
ستبقين ما بقي التين و الزيتون و ستحضنين الكبد تلو الكبد ، أيتها المرأة التي تعيش بغزة رغم الهذيان تبقين أنت العلا و المجد و الصمود و بثدييك لبن المقاومة و التحدي ..


سماهر ، السلام عليكم و رحمة الله

أولا و قبل كل شيء الحمد لله على سلامتك و اقسم انني سألت عنك من يعرفك في أول يومين من القصف الغادر اللعين و طمأنوني عنك كما أقسم أنني لا أعلق منذ مدة عند اي كان حتى اليوم حين لاحظت جديدك بنبض جيران

ألف حمدا لله على سلامتك و سلامة الأهل و الأبناء

و أبعد الله هذا العدو الغادر ما بعدت السماء عن الأرض

سعاد صالح البدري




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية