حين أذكر أيام الجامعة، تقفز إلى ذاكرتي وجوه لم يستطع الزمن أن يمحوها.. يغمرني إحساس جميل حين أذكر شقاوة كاميليا ورزانة فدوان وطفولة الجميلتين ملك وثريا التي تتمرد على طولهما :) ودلال .. أذكر تلك الأيام الدافئة في صقيع هذه الأيام المريضة .. وأذكر أن شلة الأيام الجميلة كانت كلها تحترم وتقدر أستاذاً "متفق عليه" .. ** حسن بركات .. كنا جميعاً نعتبره في منزلة الأخ الكبير الودود الذي لم يبخل على إحدانا يوماً بالنصيحة إذا طلبتها وبالمساندة إذا احتاجتها واستحقتها .. لقد كان من بين قلائل من الأساتذة القادرين على إعطائنا شعوراً بأننا نتلقى تعليماً جامعياً تفاعلي لنخرج بتفكيرنا من إطار الدرجات والمعدل التراكمي الضيق إلى أفق أكثر رحابة .. كنا .. أو دعوني أتحدث عن نفسي، كنت أستمتع بمحاضراته .. حين كان يناقش معنا نصاً، كان بإمكانه أن يعطيه الحياة؛ كان بإمكانه أن يُسمعنا صوت الفكرة، ويجعلنا نعيش مع الكلمات، ونتفاعل معها. قبل أن نعرفه كنا نقرأ ونحب أو لا نحب ما نقرأ ولا نعرف لماذا، فأعطانا مفاتيح النص وعلمنا كيف نضيء الزوايا المظلمة التي تختبئ فيها المعاني ... نشعر بحزن ووهن الوردة المريضة (Sick Rose) ونعرض عن الاختيار بين اثنين كلاهما قاتل (Ice and fire) وترهبنا قسوة ووهج النمر (Tiger Tiger) ونقف بالغابة نتأمل سحر الليالي المثلجة (Stopping by the Wood) وترهق قلبونا خطيئة البحار العجوز (The Rime of the Ancient Mariner) ونغامر ونكتشف الحياة وأسرار النفس الإنسانية في حياة الصبي الهارب هاكلبري فين (The Adventures of Huckleberry Fenn) وباب يًغلق في وجه الجحود (A Doll’s House) كانت تلك تفاصيل قد لا تذكرها الكثيرات من زميلاتي، لكني كثيراً ما أستحضرها في معظم الأحداث التي تمر في مجرى حياتي منذ تركت الجامعة .. وفي هذه الأيام لا يكاد يمر يوم دون أن أذكر محاضرة كان الأستاذ حسن بركات يشرح لنا فيها عن المسرح العبثي، وكيف روى لنا كمثال مشهداً عبثياً من مسرحية شهيرة لا يحضرني اسمها الآن.. لكن تفاصيل المشهد تطبق على أنفاس روحي، وتجلدني كلما نظرت حولي.. { البطلان يتبادلان الحديث وهما في صندوقي قمامة متقابلين يرفع الأول الغطاء ويتكلم ثم يعود لصندوقه ثم يقوم الآخر بفعل نفس الشيء في حوار عبثي غير مترابط} كيف كان سينظر حسن بركات لمشهد مشابه؟ وكيف كان سيشعر لو أنه حُبس في المشهد المغلق المستدير؟؛ صندوقا القمامة فيهما البطلان، ولكن وراء كل منهما تنين يركل الصندوق فيخرج ساكنه ويقذف الصندوق الآخر بالنار... فتتناثر حول الصندوقين أشلاء أطفال ونساء ورجال - فقدوا رجولتهم فقط لأنهم اختاروا أن يجاوروا صندوق قمامة، وفي خلفية المسرح شاشة تعرض قنوات إخبارية في لقطات متلاحقة وفي كل منها يقوم مذيع مختلف بإفراغ صندوق قمامة على عقلي / عقله / عقلك .. والعقل المسكين ينفض القمامة ويقاوم الغثيان الذي تبعث عليه الرائحة النفاذة النتنة. ذهبتَ يا بركات باكراً، أو ربما في وقتك قبل أن ترى هذا الغُثاء، الذي يحاصر عقول من حسبوا أنهم ربما فهموك، أو ربما تعلموا منك، أو ربما عرفوك .. لكن لو كان من الممكن أن تقرأ هذا لقلت لك أنك أوفر حظاً منا جميعاً، لأنك رحلت لكنت حزنت كثيراً مثلنا، لكنت ضقت بحياتك ذرعاً مثلنا، لكنت كرهت حتى أنك ترى ما نرى، لكنت حسدت قروداً تقدر على الوقوف الدائم المتحجر على لا أرى لا أسمع لا أتكلم، هنيئاً لك لأنك ذهبت باكراً فنحن نكاد نختنق ب .. القمامة .. سماهر الخزندار 17 آب 2009
الاثنين, 17 اغسطس, 2009
** الدكتور / حسن بركات..
أحد أفضل المدرسين في قسم اللغة الإنجليزية في كلية الآداب جامعة الأزهر بغزة.. توفي إثر حادث سيارة أليم على بوابة الجامعة بتاريخ 5/2/2008 .. رحمه الله وجزاه عنا خيراً ..

د. حسن بركات
(3) تعليقات
أضف تعليقا
اضيف في 20 سبتمبر, 2009 10:22 م , من قبل طمبل
من السودان
من السودان

قلائل هم الذين يتركون بصمة لا تفارقنا مدى الحياة
اضيف في 22 سبتمبر, 2009 02:26 م , من قبل عماد مسعد السبع
من مصر
من مصر

كل عام وأنت بصحة وخير وسلام..
هل تعلمين -أيتها الرفيقة - آخر النكات التى أطلقت فى مصر وعلى هامش المشهد الفلسطينى العبثى القائم ؟! ..
" أسرائيل تتوسط فى مساعى سرية للمصالحة بين فتح وحماس " !! ..
تقديرى وأحترامى ..
عماد ..
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية













من سوريا
حبايبنا تعالو لي احدثكم حديث الياسمين والفله حديث الارواح والمحبه حديث من قلب محب يودعكم شهر كريم اتى شهر الله يحل بيننا فان لم نتفرغ له ونحسن وفادته فكيف يكون الوفاء بيننا اتمنى لكم اصدقائي الاحباء شهر خير وبركه بمختلف مذاهبكم واديانكم اتمنى لكم المغفره والجنه واتمنى ان مت ولم اعد بعد هذا الشهر ان تترحموا علي وان عدة ان لاتكونوا نسيتموني وكل عام وانتم بالف خير استودعكم من لاتضيع ودائعه